+
أأ
-

في الذكرى الثمانين للاستقلال.. الحماية الاجتماعية في الأردن مسيرة دولة من الرعاية إلى التمكين

{title}
بلكي الإخباري

شكّلت الحماية الاجتماعية، منذ تأسيس الدولة الأردنية، أحد الركائز الأساسية في بناء الدولة الحديثة، وجزءاً أصيلاً من النهج الذي رسّخ العلاقة بين الدولة والمواطن، انطلاقاً من رؤية وضعت الإنسان في صميم عملية التنمية، وربطت بين العدالة الاجتماعية والاستقرار المجتمعي والتمكين الاقتصادي.

وفي الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، تبرز الحماية الاجتماعية بوصفها مسيرة وطنية متواصلة، تطورت عبر العقود من مفهوم الرعاية التقليدية وتقديم المساعدات، إلى نهج تنموي أكثر تكاملا يقوم على التمكين وتعزيز الاعتماد على الذات، انسجاماً مع مسارات التحديث الثلاث التي يقودها جلالة الملك عبدﷲ الثاني.

وأكدت وزيرة التنمية الاجتماعية، وفاء بني مصطفى، في تصريحات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن مسيرة الحماية الاجتماعية في الأردن شهدت تطوراً تدريجياً ومتراكماً منذ تأسيس الدولة، حيث ارتكزت في مراحلها الأولى على تقديم المساعدات والإعانات المباشرة للفئات الأكثر احتياجا، إلى جانب الاعتماد على قيم التكافل المجتمعي والعمل الخيري، بما انسجم مع طبيعة المرحلة التنموية آنذاك.

وأضافت أن تطور مؤسسات الدولة واتساع أدوارها الاجتماعية خلال سبعينيات القرن الماضي، أوجدا الحاجة إلى تأسيس مؤسسات وطنية متخصصة بالحماية الاجتماعية، فتم إنشاء صندوق المعونة الوطنية عام 1986 لتقديم المساعدات النقدية للفئات الأكثر احتياجاً، إلى جانب توسع الدولة في دعم السلع والخدمات الأساسية وتوفير فرص العمل، بما عكس توجهاً متقدماً نحو بناء منظومة حماية اجتماعية أكثر تكاملا.

وأوضحت بني مصطفى أن التحولات الاقتصادية وبرامج الإصلاح التي شهدها الأردن منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، دفعت إلى إعادة النظر في سياسات الدعم، والانتقال التدريجي نحو نهج الاستهداف المباشر للفئات الأكثر احتياجاً، عبر برامج الدعم النقدي والمساعدات الاجتماعية التي تنفذها وزارة التنمية الاجتماعية وصندوق المعونة الوطنية.

وأكدت أن العقد الأخير شكّل محطة مفصلية في مسار الحماية الاجتماعية، حيث اتجه الأردن إلى تبني مفهوم الحماية الاجتماعية الشاملة، الذي لا يقتصر على تقديم المساعدة، بل يركز على التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأفراد والأسر، من خلال التدريب والتشغيل ودعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة وتعزيز فرص العمل، إلى جانب توسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل فئات أوسع من المجتمع.

وأشارت إلى أن هذا التحول جاء انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية التي أكدت أهمية تطوير منظومة حماية اجتماعية عادلة ومستدامة، وتعزيز كفاءة الاستهداف، وربط برامج الدعم بفرص التمكين والإنتاج، بما يضمن تحسين جودة الحياة وتعزيز الاعتماد على الذات.

وقالت إن هذا النهج تُوّج بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية للأعوام 2025-2033، التي جاءت بتوجيهات ملكية سامية ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، وكتاب التكليف السامي لحكومة الدكتور جعفر حسان، لتشكل إطاراً وطنياً متكاملاً لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية وتعزيز كفاءتها ومرونتها واستدامتها، ورفع قدرتها على الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والأزمات المختلفة.

وأضافت بني مصطفى، أن الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية (2025-2033) تمثل ركيزة أساسية في مشروع التحديث الشامل الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني، وتقوم على أربعة محاور رئيسية هي: "كرامة"، و"تمكين"، و"فرصة"، و"صمود"، بهدف تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين جودة الحياة، مشيرة إلى أن نحو 250 ألف أسرة تضم أكثر من 1.127 مليون فرد تستفيد حالياً من برامج صندوق المعونة الوطنية، فيما تشمل خطط وزارة التنمية الاجتماعية للفترة (2025-2028) ربط الخدمات عبر السجل الاجتماعي الأردني لتوفير 12 خدمة رئيسية بحلول عام 2028.

وأكدت بني مصطفى أن قطاع الحماية الاجتماعية يشهد اليوم مرحلة تحول نوعي متقدمة نحو منظومة أكثر تكاملاً وفاعلية، تقوم على تعزيز التمكين وتوسيع الفرص وتطوير أدوات الاستهداف وبناء قدرات الاستجابة، بما ينسجم مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية 2025-2033.

وأوضحت أن الحكومة تعمل على تطوير السجل الاجتماعي الأردني ليكون منصة وطنية موحدة تدعم تكامل البيانات وتحسين جودة الاستهداف وتكامل الخدمات الاجتماعية، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتوسيع قواعد بيانات المخاطر وبناء آليات تدخل أكثر مرونة وسرعة، بما يضمن استمرارية تقديم الخدمات في مختلف الظروف.

وأضافت أن القطاع يشهد توسعاً في ربط الدعم الاجتماعي ببرامج التمكين الاقتصادي والتدريب المهني والمشاريع الإنتاجية، بما يعزز فرص الاعتماد على الذات والاستقرار الاقتصادي للأسر، إلى جانب التوسع في خدمات التدخل المبكر والرعاية البديلة والدمج الأسري والحضانات والأندية النهارية لكبار السن.

وحول التطورات التي شهدها صندوق المعونة الوطنية خلال السنوات الأخيرة، أوضحت بني مصطفى أن الصندوق انتقل تدريجياً من التركيز على المساعدات النقدية التقليدية إلى تبني مسارات أكثر ارتباطاً بالتمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسر المنتفعة، عبر تطوير برامج التدريب والتأهيل والتشغيل، وتعزيز الشراكات مع مختلف المؤسسات الوطنية، ودعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتناهية الصغر، بما يسهم في تعزيز فرص الاعتماد على الذات وربط الحماية الاجتماعية بالإنتاج والعمل.

وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، تواصل الدولة الأردنية، بقيادة جلالة الملك عبدﷲ الثاني، مسيرة البناء والتحديث، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وأن الحماية الاجتماعية ليست استجابة ظرفية أو إجراءً مؤقتاً، بل نهج دولة راسخ يعكس جوهر الاستقلال ومعناه الإنساني، ويجسد حرص الأردن على صون كرامة الإنسان وتعزيز فرصه في الحياة الكريمة والإنتاج والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن