حين يصبح المنع سياسة، والترشيد غاية مؤجلة

م. معاذ المبيضين
في كل مرة يشتد فيها الضغط الاقتصادي على الموازنة العامة، تلجأ الحكومات إلى إجراءات سريعة قابلة للقياس البصري قبل أن تكون قابلة للقياس المالي. وبلاغ منع سفر الوفود الرسمية بحجة ضبط النفقات يقع في صميم هذا النمط: قرار سهل الإعلان، وواضح الرمزية، وسريع الالتقاط لدى رأي عام منهك من تعقيدات المشهد الاقتصادي. غير أن السؤال الذي يستحق الطرح ليس عما إذا كان القرار شعبيا، بل عما إذا كان فعالا، وما إذا كان يعالج جذر المشكلة، أم أحد أعراضها الأقل كلفة وأكثر ظهورا.
ثمة فارق جوهري بين ضبط الإنفاق كسياسة مالية ممنهجة، وبين المنع كإجراءً انتقائي يُختار لقابليته على إرضاء الجمهور. فالسفر الرسمي ليس بندا هامشيا فحسب في هيكل الإنفاق العام، بل إن وزنه النسبي في الموازنة لا يكاد يذكر أمام البنود الكبرى: فاتورة الرواتب والتقاعد، وخدمة الدين العام، والنفقات التشغيلية المتضخمة في جهاز حكومي يعاني من تضخم وظيفي وازدواجية في الأدوار. فحين توجه الأنظار إلى بند صغير مرئي، يصرف الانتباه ضمنا عن البنود الكبيرة غير المرئية. وهنا تحديدا يكمن الإشكال: فالقرار قد يبدو حازما، لكنه لا يلامس البنية التي تنتج الاختلال أصلًا.
يكم الافتراض خلف منع السفر بأن الحضور الدولي ترف يمكن الاستغناء عنه عند الضيق. وهذا افتراض يستحق المراجعة. فالدولة التي تطمح إلى اقتصاد مفتوح قائم على جذب الاستثمار لا تبنى علاقاتها التجارية والاستثمارية عن بُعد، بل عبر حضور مؤسسي نشط في المحافل والمنصّات التي تصاغ فيها الشراكات وتفتح فيها الأسواق. وتقليص هذا الحضور قد يوفر مبالغ محدودة في خانة النفقات، لكنه قد يكلف الدولة فرصًا لا تظهر في أي جدول محاسبي قصير الأجل. والمفارقة أن إجراء يسوَق بوصفه ترشيدا للموارد قد يضعف - من حيث لا يقصد- أحد أهم روافع توليد الموارد.
الإشكال الحقيقي ليس في السفر، بل في غياب معايير حاكمة تميّز بين السفر المنتج والسفر الاستهلاكي. فحين تنعدم الحوكمة، يصبح المنع الشامل هو البديل الكسول عن التمييز الذكي. فالترشيد الرشيد لا يعني الإلغاء، بل يعني ربط كل نفقة بعائد متوقع، وإخضاع كل وفد لسؤال بسيط: ما القيمة التي ينتظر أن يضيفها هذا الحضور، وكيف ستقاس؟ فالدولة التي تملك منظومة مساءلة حقيقية لا تحتاج إلى بلاغات منع شاملة، لأن آليات التقييم لديها كفيلة بتصفية النفقات غير المجدية تلقائيًا. أما اللجوء إلى المنع، فهو في جوهره اعتراف ضمني بعجز المنظومة عن التمييز، لا دليل على قدرتها على الضبط.
لو وضع ضبط النفقات في سياقه الصحيح، لانتقل النقاش من «أين نمنع؟» إلى «كيف نوجه الإنفاق نحو ما يولد القيمة؟». فالاقتصاد الذي يخرج من أزماته لا يفعل ذلك عبر تقليص حضوره، بل عبر إعادة هندسة إنفاقه ليصبح استثماريًا في جوهره: إنفاق يجذب رأس المال، ويفتح الأسواق، ويعزّز الثقة بمناخ الاستثمار. والمعالجة الحقيقية لاختلال الموازنة تبدأ من البنود الكبرى ومن كفاءة الجهاز الحكومي وجدوى برامجه، لا من بند رمزيٍ يُقدَّم قربانًا لتهدئة الرأي العام.
تبقى المسألة في نهايتها سؤالًا عن طبيعة الدولة التي نريد: دولة تدير العجز بإجراءات ترضي اللحظة، أم دولة تعيد بناء قدرتها على توليد القيمة. وبين الخيارين فارق لا تقيسه الموازنة وحدها، بل يقيسه موقع الدولة في الاقتصاد العالمي بعد عقد من الآن.



















