النشامى يستحقون أكثر من التصفيق

عمر خريسات
في حياة الشعوب لحظات استثنائية لا تتكرر كثيرًا، لحظات تتجاوز حدود الرياضة والسياسة والاقتصاد، لتتحول إلى حالة وطنية جامعة يلتف حولها الجميع.
واليوم يعيش الأردن واحدة من تلك اللحظات النادرة، بعد أن نجح منتخبنا الوطني لكرة القدم في تحقيق الحلم الذي راود أجيالًا من الأردنيين، بالتأهل إلى نهائيات كأس العالم للمرة الأولى في تاريخ المملكة.
هذا الإنجاز لم يأتِ من فراغ، ولم يكن ضربة حظ عابرة، بل هو ثمرة سنوات طويلة من العمل والتضحيات والإصرار، قادها لاعبون حملوا شعار الوطن بإخلاص، وآمنوا بقدرتهم على الوصول إلى ما اعتبره البعض يومًا حلمًا بعيد المنال.
ورغم عظمة ما تحقق، ما زلت أشعر أن منتخبنا لم يحظَ حتى الآن بحالة الدعم الإعلامي التي تليق بهذا الإنجاز التاريخي، نعم، هناك فرحة كبيرة في الشارع الأردني، وهناك دعم واضح وقوي من لدن جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، اللذين كانا دائمًا الأقرب إلى النشامى والداعمين لمسيرتهم، لكننا ما زلنا بحاجة إلى زخم إعلامي أكبر يوازي حجم الحدث ويمنح اللاعبين مزيدًا من الثقة قبل خوض أهم محطة في تاريخ الكرة الأردنية.
المنتخبات الكبرى لا تنتصر داخل الملعب فقط، بل تنتصر أيضًا بالإيمان الذي يزرعه الإعلام والجمهور في نفوس اللاعبين، شاهدنا قبل أيام كيف نجح الإعلام العراقي في صناعة حالة استثنائية من الدعم والتفاؤل قبل مواجهة منتخب إسبانيا، فلم يكن الحديث عن الفوارق الفنية أو صعوبة المهمة، بل كان عن الثقة والإيمان بالقدرة على المنافسة، هذه الروح انتقلت إلى الجماهير واللاعبين، فدخل المنتخب العراقي المباراة وهو مؤمن بقدرته على الوقوف أمام أحد أقوى منتخبات العالم.
وفي الجزائر ومصر والمغرب وغيرها من الدول العربية، اعتدنا أن نرى الإعلام شريكًا في صناعة الإنجاز، لا مجرد مراقب له، فأدركوا أن الكلمة أحيانًا تكون بحجم الهدف، وأن الثقة التي تُبنى خارج الملعب قد تصنع الفارق داخله.
ولعل التجربة المغربية في كأس العالم 2022 خير دليل على ذلك، فقبل أن يبهر "أسود الأطلس" العالم بنتائجهم التاريخية، كان هناك إعلام وجمهور يؤمنان بهذا الفريق ويمنحانه الثقة والدعم، حيث لم يكن الخطاب السائد هو البحث عن الأخطاء أو التقليل من الإمكانيات، بل كان صناعة الأمل وتعزيز الثقة والإيمان بالحلم.
لذلك، نرفض أن تبقى عندنا بعض الأصوات ولو كانت قليلة بأن تختزل المشهد في النقد والتشكيك، لنجد من يقول إننا لا نملك لاعبين قادرين على المنافسة، وآخرون يشككون بقدرات الجهاز الفني، وكأن الوصول إلى نهائي كأس آسيا، وتحقيق وصافة كأس العرب، والتأهل إلى كأس العالم من بين أقوى منتخبات القارة، أمور حدثت بالمصادفة.
الحقيقة أن المنتخب الأردني أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنه يمتلك لاعبين على مستوى عالٍ من الكفاءة والموهبة والالتزام، وما يحتاجه " النشامى " اليوم ليس المزيد من التشكيك، بل المزيد من الثقة والدعم والإيمان بقدراتهم.
كما أن المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، بل على الجماهير أيضًا ففي هذه المرحلة لا مكان للانتماءات الضيقة أو الحسابات الخاصة، لا يهم من أي نادٍ جاء اللاعب، ولا لأي فريق يشجع المشجع؛ ما يهم الآن أن الجميع يقفون خلف علم الأردن.
في كأس العالم لن يسأل أحد عن أسماء الأندية، ولن يرى العالم سوى راية الأردن وهي ترفرف بين كبار المنتخبات، هناك سيكون الوطن هو العنوان، وستكون صورة الأردن هي الرسالة التي نحملها إلى العالم.
لذلك، فإن واجبنا اليوم أن نكون جميعًا خلف النشامى، أن نمنحهم المزيد من الثقة لا الشك، والدعم لا الإحباط، والأمل لا التخويف، فهؤلاء اللاعبون صنعوا إنجازًا تاريخيًا، ويستحقون أن نخوض معهم الرحلة حتى نهايتها.
لقد أثبت النشامى أنهم على قدر الحلم، وبقي أن نثبت نحن أننا على قدر المسؤولية في دعمهم،
فالأردن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المشككين، بل إلى مزيد من المؤمنين.

















