حزيران 67: حين أكلت الهزيمةُ أبناءها مراجعة متأخرة جدا.

محمد مشارقة
في كل ذكرى لهزيمة حزيران 1967، يعود الحبر ليسيل غزيراً، وتُعقد الندوات، وتُستحضر التحليلات. غير أن المفارقة اللافتة أن كثيرين لا يزالون يُسمّون تلك الكارثة "نكسة"، وكأن في التخفيف من وطأة التسمية تخفيفاً من وطأة الحقيقة. أما أنا فأُصرّ على تسميتها بما تستحق: هزيمةً وفضيحةً للنظام العربي الرسمي بكل مؤسساته وخطابه وأوهامه.
لكنني في هذه الذكرى لا أريد أن أقف عند الهزيمة ذاتها، بل عند ما أنتجته في تجربتنا الفلسطينية تحديداً، وعند خطأ فادح اشتركتُ فيه شخصياً حين كنتُ شاباً ثورياً يحفظ مقولات لينين ويهتف في مخيمات الأردن.
بعد حزيران مباشرة، دبّت في حركة القوميين العرب حركةٌ فكرية وصفت نفسها بـ"المراجعة العميقة". وكان من أبرز ما أنتجتها أن تياراً داخلها، سمّى نفسه يسارياً، حمّل القيادةَ البرجوازية الصغيرة - التي يمثلها في رأيه الحكم الناصري - مسؤوليةَ الهزيمة، وألحق بها حركة القوميين العرب برمتها. وكان الحلّ "العبقري" الذي خلص إليه هذا التيار أن لا نجاة إلا بالتحوّل الجذري إلى فكر الطبقة العاملة، أي إلى الماركسية اللينينية خياراً طبقيا واثقا لا تفاوض فيه ولا مهادنة.
وهكذا أعلن التيار انشقاقه رسمياً عام 1969: نايف حواتمة عن الجبهة الشعبية -الفرع الفلسطيني للحركة -وعبد الفتاح إسماعيل في اليمن الجنوبي، وهاشم علي محسن في العراق، ومحسن إبراهيم في لبنان.
أنا من ذلك الجيل اللاحق للمؤسسين الذي انطلق يردّد تلك التنظيرات بحماس لا يعرف الشك. هتفنا بـ"كل السلطة للسوفييتات" في مخيمات الأردن، وحفظنا فصولاً من كتب لينين “ما العمل؟" و"خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء"، وسقّفنا حدود تفكيرنا بما حشده المنظّرون من ترسانة نظرية لإثبات أن جورج حبش ووديع حداد وأبو علي مصطفى ليسوا سوى قادة التيار اليميني. وكنا نعتقد، بإيمان الطليعة المختارة، أننا نمثّل الطبقة العاملة الفلسطينية وحزبها الثوري.
بيد أن تلك الطبقة لم تكن تعلم عنا شيئاً، ولم تكن تسألنا عن لينين ولا ماركس. كل ما كانت تتمناه في المناطق المحتلة أن تجد عملاً في مزرعة إسرائيلية أو ورشة أو مصنع. كانت تلك حقيقتها اليومية الصارخة، بينما كنا نبني لها نظريات التحرر من شقق بيروت وعمّان.
بعد عقود، وبعد أن توفّرت الوثائق وأدلى بعض من شاركوا في الانشقاق بشهاداتهم واعترافاتهم وهم في مرحلة الشيخوخة المتأخرة، باتت الصورة أكثر وضوحاً وأشد مرارة. فالترسانة الفكرية التي غلّفت الانشقاقَ عن حركة القوميين العرب، وكل ما رافقها من نقاش حول البرجوازية الصغيرة ومسؤوليتها عن هزيمة حزيران، لم تكن في جوهرها أكثر من غطاء أيديولوجي وترميز تضليلي يُخفي صراعات شخصية حادة على القيادة في الفرع الفلسطيني للحركة، ويستثمر غياب الدكتور جورج حبش القسري لتمرير انقلاب كان يُعدّ له في الغرف المغلقة.
ولا يمكن إغفال دور المجموعة اليهودية والتي يظل المناصل الفتحاوي اليساري الراحل طيب الذكر مرعي عبد الرحمن يصفها بالمجموعة الصهيونية المعنية بالشرق الأوسط في الحزب الشيوعي السوفياتي، التي أسهمت آنذاك في إنجاز هذا التحوّل، وأجبرت الجبهة الشعبية على قبول الانزياح نحو الماركسية اللينينية تحت ضغط المصلحة والدعم والرعاية. كان ذلك تدخلاً في الجسد التنظيمي الفلسطيني أدّى وظيفة التخريب بعيداً عن أي جهد.
اليوم، بعد نحو ستة عقود، أتوقف عند تجربتي الشخصية لأقول بصدق: ربما أسهمنا، نحن جيل التيار اليساري الفلسطيني، في تقويض حركة عريقة، كحركة القوميين العرب، ذات امتدادات عربية عميقة، كانت قد شكّلت وعياً سياسياً متقدماً في المشرق كله. وربما كانت كلفة ذلك الانشقاق أثقل مما أدركناه في حينه.
والدليل ماثل حتى اليوم: ما زالت جراح ذلك الانشقاق تحول دون أي تقارب حقيقي بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وتُبقي ما يُسمى اليسار الفلسطيني مشتتاً هامشياً، غير قادر على إعادة تجميع نفسه أو استعادة دور في لحظة يحتاجه فيها الشعب الفلسطيني أكثر من أي وقت مضى.
الهزيمة لم تُنتج مراجعة جدية. بل أنتجت انشقاقاً. والانشقاق لم يُنتج طليعة. بل أنتج ضعفاً فكريا قوميا متراكماً لا نزال ندفع ثمنه.



















