زلزال الأرقام وحسم الميدان: العين عمار القضاة يفكك "فزاعة" الملايين العشرة ويطلق "البصمة النارية" عقيدة أمنية جديدة لحماية الأردن

في قراءة أمنية وعلمية رفيعة المستوى وضعت النقاط على الحروف بعيداً عن التهويل والشائعات، فكك الخبير الأمني، اللواء المتقاعد العين الدكتور عمار القضاة، واقع انتشار السلاح في الأردن، مقدماً تشخيصاً استراتيجياً يوازن بين هيبة القانون والواقع الاجتماعي للأردنيين، وذلك خلال استضافته في برنامج "نبض البلد" عبر قناة رؤيا رصده موقع بلكي نيوز وقدم "الباشا" القضاة، بلسان المسؤول المجرب الذي قاد مواقع أمنية حساسة من بينها إدارة الأمن الوقائي وإدارات الشرطة، تحليلاً مترابطاً ثلاثي الأبعاد (أمنياً، وقانونياً، واجتماعياً) لملف السلاح، داحضاً الأرقام المبالغ فيها، ومقدماً في الوقت ذاته حلولاً ميدانية مبتكرة لتنظيم الحيازة وتجفيف منابع الجريمة والإرهاب.
واستهل العين القضاة تحليله بتفنيد الرقم المتداول حول وجود 10 ملايين قطعة سلاح في المملكة، مؤكداً بالحسبة الديموغرافية والعقلية عدم دقة هذا الرقم الذي استُخدم سابقاً عام 2019 كأداة ضغط سياسي وتعبوي لتمرير قانون الأسلحة والذخائر، إذ أوضح أنه باستثناء الأطفال والنساء والوافدين، لا يمكن عقلياً أن يمتلك كل مواطن من 3 إلى 4 قطع سلاح. واستناداً إلى تقارير دولية موثوقة، وتحديداً تقرير منظمة "مسح الأسلحة الصغيرة" في جنيف، قدّر القضاة الرقم الحقيقي للأسلحة المرخصة وغير المرخصة في الأردن بما بين 700 ألف ومليون قطعة سلاح كحد أقصى.
وفي ذات السياق، شرّح الباشا طبيعة هذا السلاح غير المرخص، مبيناً أن جزءاً كبيراً منه عبارة عن موروث شعبي بالٍ وأسلحة قديمة بلا ذخيرة موروثة عند المزارعين والفلاحين وأهل البادية، مثل رشاشات القديمة ومسدسات الويبلي وبنادق الصيد المحلية (الشلموني). وحذر في المقابل من مستجدات سلاح التهريب وخاصة مسدسات "الهلك" وهي مسدسات صوت تُهرب وتحور إلى ناري، مستذكراً كشفها وإيقاف ترخيصها نهائياً إبان خدمته في إدارة الأمن الوقائي نظراً لخطورتها وانفجارها في يد حائزها.
وربط القضاة بين السلاح المتفلت والجرائم المنظمة، مشيداً بجهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على الواجهات الحدودية وخاصة الشمالية، وكاشفاً أن إدارة مكافحة المخدرات وحدها ضبطت 800 قطعة سلاح خلال عام واحد. كما عرج على الدوافع النفسية والاجتماعية للحيازة في الأردن، مؤكداً أنها ترتبط بالبيئة والظروف السياسية الإقليمية الراهنة والتهديدات الصهيونية كأطروحات التهجير، مما يخلق رد فعل نفسي فطري لدى المواطن لامتلاك سلاح يحمي به عائلته ومزرعته، وليس لغايات الاستعراض أو الجريمة.
ومن الناحية القانونية، قدّم العين د. عمار القضاة تأصيلاً رفيعاً فصل فيه بين أداة الجريمة والفعل الجرمي، مؤكداً أن السلاح أداة تسهل الجريمة ولكنه ليس ركناً فيها ولا دافعاً أصيلاً للقتل، ودلل على ذلك بإحصائيات جنايات القتل لعام 2025، والتي أظهرت وقوع 21 قضية قتل بالسلاح الناري مقابل 31 قضية بالأدوات الحادة، مشدداً على أن القاتل ينفذ جريمته بأي أداة متاحة كالسكين أو الحجر أو حتى مواد التنظيف. واستعرض القضاة المادة المكررة في قانون العقوبات والتي غلّظت العقوبات الخاصة بإطلاق العيارات النارية، حيث تشمل الحبس 3 أشهر أو غرامة 1000 دينار أو بكلتا العقوبتين في حال إطلاق النار دون داعٍ في الأفراح والمناسبات، وعقوبة لا تقل عن سنة في حال تسبب الفعل بالإيذاء، وعقوبة مغلظة لا تقل عن 10 سنوات وتصل إلى 20 سنة في حال أدى ذلك إلى الوفاة.
ووضع القضاة إصبعه على نقطة قانونية جوهرية تتمثل في مفهوم القصد الاحتمالي، فمن يطلق النار في الهواء يعلم يقيناً أن المقذوف سيرتد بالسرعة نفسها وقد يقتل بريئاً، وقبوله بهذه المخاطرة يضعه تحت طائلة القصد الاحتمالي، مما يرفع الفعل من خطأ غير مقصود إلى جريمة قتل قصد عقوبتها مغلظة. وانتقالاً من تشخيص المشكلة إلى تقديم الحلول الاستراتيجية القابلة للتطبيق بناءً على خبرته الميدانية الطويلة كمدير شرطة سابق وقائد أمني، طرح الباشا القضاة جملة من المبادرات والحلول البديلة، حيث دعا إلى فتح باب الترخيص كبديل للسحب العشوائي وإعطاء مهلة للمواطنين لترخيص أسلحتهم حتى الأوتوماتيكية منها بدلاً من فكرة سحب سلاح العشائر المغلوطة. وأوضح أن الهدف الأساسي هو أخذ البصمة النارية للسلاح في إدارة المختبرات والأدلة الجرمية، مما يجعل تتبع السلاح والظروف الفارغة أوتوماتيكياً كبصمة العين والـ DNA، وهو ما يمنع استخدامه في الجريمة أصلاً لأن صاحب السلاح المرخص لن يجرؤ على إطلاقه في فرح.
وطمأن القضاة المواطنين مصححاً الفكرة السائدة بأن الأمن يجمع كل الأسلحة المرخصة في المنطقة حال وقوع جريمة، مبيداً هذا التخوف الذي يمنع الناس من الترخيص، كما قدم حلاً ميدانياً ناجحاً لمبادرة ضبط الأفراح ميدانياً سبق وأن طبقه شخصياً، يكمن في إلزام أصحاب الأفراح بتبليغ الحاكم الإداري والحصول على موافقة مسبقة، مع إرسال عنصر أو عنصرين بالأمن المدني للمراقبة والتوثيق، مما يرفع الحرج عن الجيران في الإبلاغ ويحقق التزاماً حقيقياً يفوق مفعول وثائق الشرف التي لم تؤتِ ثمارها بالشكل المطلوب.
وأبدى القضاة قلقاً تربوياً وأمنياً عميقاً ودق ناقوس الخطر حول الأحداث على خلفية حادثة ضبط سلاح مع حدث في مدرسة بالمفرق، محذراً من تأثير العولمة والأفلام السينمائية التي تظهر تجار السلاح والمخدرات كأبطال، مما قد ينقل إلينا ظاهرة إطلاق النار في المدارس كما في أمريكا ما لم تفعّل الرقابة الأسرية الصارمة لإخفاء الأسلحة عن الأطفال. وشكلت أطروحات اللواء المتقاعد العين عمار القضاة في نهايتها مرجعاً أمنياً متكاملاً، أكد من خلاله لمنصة بلكي نيوز الإلكترونية أن الأمن الوطني الأردني وبسط هيبة الدولة يتحققان بالتنظيم، والترخيص، واعتماد البصمة النارية، وليس بالمنع العشوائي، وبما يضمن قطع الطريق نهائياً على وصول السلاح من أيدي العبث إلى تجار المخدرات والتنظيمات الإرهابية.















