+
أأ
-

أزمة يومية في السودان: معركة البقاء بين الجوع والعطش

{title}
بلكي الإخباري

يواجه السودانيون تحديات يومية في ظل الحرب المستمرة، حيث لم يعد قياس آثار النزاع يعتمد فقط على المعارك أو الغارات الجوية، بل أصبح يرتبط بشكل مباشر بالقدرة على شراء الطعام، وتوافر المياه، وفترات انقطاع الكهرباء. وأصبح انخفاض قيمة العملة الوطنية أحد أبرز القضايا التي تؤرق حياة المواطنين.

ومع مرور أكثر من ثلاث سنوات على بداية الحرب، تبدو الأزمة الإنسانية في السودان أكثر تعقيدا، حيث يتداخل الانهيار الاقتصادي مع تدهور الخدمات الأساسية، مما يؤدي إلى اتساع دائرة الفقر والنزوح. ويصف مراقبون الوضع بأنه أحد أخطر الانهيارات الشاملة التي عانت منها البلاد عبر عقود.

في الخرطوم، تمكنت القوات المسلحة والجماعات الإسلامية الموالية لها من استعادة السيطرة على العديد من المناطق، مما أدى إلى عودة آلاف النازحين إلى أحيائهم. ولكنهم يواجهون معاناة يومية بسبب نقص المياه، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وتدهور الأوضاع في الأسواق، مما جعل الخبز أحد أبرز مؤشرات الأزمة المعيشية.

تدهور الأوضاع الاقتصادية في السودان

أغلقت العديد من المخابز أبوابها في الأشهر الأخيرة بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل ونقص الوقود والكهرباء، مما أدى إلى تراجع المعروض من الخبز وارتفاع أسعاره بشكل مستمر. ولا يقتصر الوضع على الخبز فحسب، بل تشير التقارير إلى ارتفاع تكلفة الحد الأدنى للإنفاق المعيشي بشكل ملحوظ.

وبحسب مبادرة الرصد المشترك للأسواق، ارتفعت تكلفة المعيشة في مايو الماضي إلى أكثر من 551 ألف جنيه سوداني، مقارنة بنحو 540 ألف جنيه في أبريل، مما يعكس الضغوط التضخمية المستمرة. وشهدت معدلات التضخم زيادة ملحوظة خلال الأشهر الماضية، نتيجة لارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما زاد من الأعباء المعيشية على المواطنين.

تشير التقارير إلى أن الجنيه السوداني شهد انهيارا كبيرا، حيث اقترب سعر الدولار في السوق الموازية من ستة آلاف جنيه، مما أدى إلى موجة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والسكر والدقيق. وتسبب تراجع قيمة العملة في زيادة الضغوط على الأسر ذات الدخل المحدود.

أزمة الخدمات الأساسية تتفاقم

مع تفاقم الأعباء المعيشية، تزداد أزمة الخدمات الأساسية في السودان، خصوصا في العاصمة الخرطوم. وعلى الرغم من وجود نهرين كبيرين، يعاني ملايين السكان من نقص حاد في المياه، مما دفعهم للاعتماد على عربات نقل المياه والآبار القليلة المتاحة.

ويؤكد العاملون في قطاع نقل المياه أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء تعطل محطات الضخ، مما يزيد من حدة الأزمة. وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تكبد قطاع الكهرباء السوداني خسائر تقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار منذ بداية الحرب، مما أثر سلبا على خدمات المياه والصحة والتعليم.

تتصاعد الانتقادات لأداء المؤسسات الحكومية في مناطق سيطرة الجيش، حيث انتشر الفساد بشكل واسع. ويشير مراقبون إلى أن الحرب كشفت عن اختلالات عميقة في إدارة الموارد العامة، مع تزايد الاتهامات المتعلقة بالفساد وضعف الرقابة.

التداعيات الإنسانية للحرب

أقر عضو مجلس السيادة بوجود مظاهر فساد في مؤسسات السلطة الموالية للجيش، حيث تظهر بعض التقارير أن بعض العاملين يمتلكون عقارات خارج السودان. ويشير تقرير منظمة الشفافية الدولية إلى أن السودان لا يزال من بين الدول الأضعف في مكافحة الفساد، مما يزيد من تعقيد جهود التعافي الاقتصادي.

تحذر الأمم المتحدة من أن نحو 25 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. كما أن الحرب أجبرت أكثر من 11 مليون شخص على النزوح، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية.

في ظل استمرار الحرب وتدهور الخدمات وارتفاع الأسعار، يبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجه السودانيين اليوم هو تأمين أبسط مقومات الحياة اليومية. فمع تواصل النزاع، تتسع معاناة المدنيين الذين يواجهون معركة أخرى لا تقل قسوة عن المعارك العسكرية، وهي معركة البقاء.