+
أأ
-

أزمة مالية تتفاقم في بريطانيا بسبب تداعيات بريكست

{title}
بلكي الإخباري

أعاد انهيار حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تسليط الضوء على التحديات التي تواجه المالية العامة في البلاد، حيث بات السؤال حول قدرة الحكومة على تمويل الأولويات الوطنية أكثر إلحاحا. وتقلصت قاعدة الإيرادات بشكل ملحوظ منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مما يعكس آثارا اقتصادية طويلة الأمد على الخزانة العامة. وأصبح النقاش حاليا يدور حول الإيرادات الضريبية المفقودة بدلا من الناتج المفقود، مما ضيق هامش المناورة أمام الحكومات المتعاقبة.

وأكدت وزيرة المالية راشيل ريفز في تصريحاتها، أن استقالة ستارمر في 22 يونيو جاءت بعد أشهر من الخلافات بشأن الإنفاق العام وتمويل الدفاع. وبينت أن الحكومة تواجه قيودا تمنعها من رفع الضرائب الرئيسية، بالإضافة إلى قواعد تحد من الاقتراض. وكشفت دراسات صادرة عن مكتب مسؤولية الميزانية ومراكز أبحاث مستقلة، أن هذه القيود تعكس آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل، والتي أصبحت قيدا يستمر مع كل موازنة جديدة.

ورغم تعرض بريطانيا لصدمة اقتصادية كبيرة خلال العقد الماضي، من أزمة مالية عالمية إلى جائحة كورونا وارتفاع كلفة خدمة الدين، أظهر معظم الاقتصاديين أن بريكست أضاف عبئا هيكليا دائما، يتمثل في اقتصاد أقل حجما وقاعدة ضريبية أضعف، مما يحد من قدرة الحكومات على تمويل أولوياتها.

تكلفة الاقتصاد الأصغر

أظهر مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى انخفاض إنتاجية الاقتصاد بحوالي 4% على المدى الطويل، بسبب تراجع كثافة التجارة بنحو 15%. ويستند هذا التقدير إلى متوسط نتائج 13 دراسة مستقلة، ليكون أحد المرتكزات الأساسية التي تعتمد عليها الحكومة في توقعاتها المالية.

وتشير الحسابات إلى أن هذه الخسارة تعادل نحو 116 مليار جنيه إسترليني سنويا، مما يعني أن تأثير بريكست قد تحقق بالفعل مع دخول اتفاق التجارة والتعاون بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ عام 2021. وأظهرت تقديرات أخرى أن الخسائر قد تكون أكبر، حيث قدر المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية انخفاض الناتج طويل الأجل بين 5% و6%، بينما قدر بنك غولدمان ساكس الخسارة بحوالي 8%.

ورغم اختلاف المنهجيات، فإن جميع الدراسات تشير إلى أن الاقتصاد البريطاني أصبح أصغر مما كان سيبلغه لو بقي ضمن التكتل الأوروبي. كما أشار الباحث جون سبرينغفورد إلى أن انخفاض الإنتاجية يعني خسارة سنوية تقارب 40 مليار جنيه إسترليني من الإيرادات الضريبية.

الإيرادات الضريبية لا الناتج

بينما تعتبر خسارة الناتج هي الرقم الأكثر تداولا، فإن قدرة أي حكومة على الإنفاق تقاس بحجم الإيرادات الضريبية. وزعم سبرينغفورد أن الزيادات الضريبية التي بلغت حوالي 100 مليار جنيه إسترليني بين عامي 2019 و2024 كان يمكن تجنب معظمها لو بقيت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي. وعليه، فإن العجز الضريبي السنوي قد يصل إلى 50 مليار جنيه إسترليني، مما يتطلب إجراءات تقشف إضافية لسد الفجوة.

وأوضحت الدراسات أن سد فجوة الإيرادات بهذا الحجم يتطلب عاما أو عامين من الإجراءات التقشفية، مما يبقي الدين العام أعلى من مستواه المفترض. وأكد الباحثون ضرورة التمييز بين خسارة الناتج وخسارة الإيرادات، لأن الأخيرة تحدد قدرة وزارة المالية على الإنفاق دون زيادة الاقتراض أو الضرائب.

وحذر معهد الدراسات المالية من أن استمرار النقص في الإيرادات قد يؤدي إلى ضغوط مالية متراكمة، مما يجعل من الصعب على الحكومة التعامل مع التحديات المالية المتزايدة.

عائد تجاري لم يتحقق

كان مؤيدو خروج بريطانيا يأملون في أن حرية إبرام اتفاقيات التجارة الجديدة ستعوض خسارة السوق الأوروبية، لكن مركز الأداء الاقتصادي في كلية لندن للاقتصاد وصف هذه الاستراتيجية بأنها "خيال". حيث قدرت الاتفاقيات التجارية الحرة منذ عام 2016 بأنها سترفع حجم الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.47% فقط.

ووفقا لتقديرات مكتب مسؤولية الميزانية، فإن اتفاقيات التجارة الحرة مع اليابان وأستراليا لن تضيف أكثر من 0.1% إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال 15 عاما. كما أشارت اللجنة المستقلة للعلاقات البريطانية الأوروبية إلى أن الشراكة عبر المحيط الهادئ ذات قيمة اقتصادية محدودة، ولن تعوض التجارة المفقودة مع الاتحاد الأوروبي.

وفي ظل هذه الأوضاع، يبدو أن مكاسب الاتفاقيات الجديدة لا تزال أقل بكثير من خسائر السوق الأوروبية، مما يعكس التحديات المستمرة التي تواجه الاقتصاد البريطاني.

من خلافات حول الموازنة لأزمة حكومية

تتداخل العوامل المالية والسياسية في بريطانيا، حيث إن تراجع الإيرادات الضريبية لم يكن سوى أحد العوامل المساهمة في عدم استقرار الحكومات. وتظهر الدراسات أن الاجتماع بين القيود المالية والسياسية قد حول كل موازنة إلى معادلة صفرية، مما يجعل أي زيادة في الإنفاق تتطلب تخفيضات في بنود أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن تعهدات الحكومة بعدم رفع الضرائب الرئيسية، بالإضافة إلى قواعد الانضباط المالي، قد قلصت الخيارات المتاحة. ومع تزايد الضغوط المالية، أصبح من الصعب على الحكومة الوفاء بوعودها الانتخابية.

ويمكن القول إن استقالة ستارمر تجسد كيف يمكن لعجز ضريبي سنوي بين 40 إلى 50 مليار جنيه إسترليني أن يؤدي إلى أزمة حكومية، مما يعكس التحديات المتزايدة التي تواجه الحكومة البريطانية في ظل الظروف الحالية.

بريكست ليس العامل الوحيد

رغم أن بريكست يعد عاملا رئيسيا، إلا أن العديد من الخبراء يحذرون من تبسيط هذا الأمر. حيث لا تزال المالية العامة البريطانية تعاني من آثار الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا. وأظهرت الدراسات أن تحديد الأثر الخاص ببريكست يعد أحد أكثر الملفات تعقيدا، مما يستدعي استخدام منهجيات متعددة لتحليل الوضع المالي.

وأكد بعض الاقتصاديين أن تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية بشأن انخفاض كثافة التجارة والإنتاجية تعتمد على أدلة ضعيفة نسبيا، وأن التجارة البريطانية قد صمدت بشكل أفضل مما تم التوقع. ومع ذلك، فإن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الأضرار التي توقعتها النماذج قد ظهرت بالفعل، مما يجعل من الصعب تجاهل التأثيرات السلبية لبريكست.

وبعد مرور عقد على الاستفتاء، يبقى الأثر المالي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يتجلى في زيادة الضرائب وضبط الإنفاق، مما يحد من قدرة الحكومة على مواجهة التحديات الاقتصادية المستقبلية.