العراق يشدد على مكافحة الفساد وسط خسائر اقتصادية فادحة

تسعى الحكومة العراقية لمواجهة الفساد المستشري في البلاد من خلال حملة اعتقالات تستهدف مسؤولين بارزين متهمين بسوء إدارة الأموال العامة. وطرح المراقبون تساؤلات حول التكلفة الاقتصادية التي تكبدها العراق بسبب الفساد، خاصة بعد اعتقال 21 مسؤولا في إطار هذه الحملة. وفي ظل استمرار عمليات الملاحقة، يبقى التحدي الأكبر هو استرداد الأموال المهدورة.
وقال رئيس الوزراء علي الزيدي في جلسة مجلس الوزراء إن الحكومة ملتزمة بمكافحة الفساد واستعادة الأموال العامة، مشيرا إلى وجود أجهزة رقابية قوية تعمل على هذا الملف. وأكد أن الفساد أضعف مؤسسات الدولة وأثر سلبا على الخدمات العامة، مما يستدعي اتخاذ إجراءات حاسمة.
وأضاف الزيدي أن الفساد ساهم في تعطيل مشاريع التنمية في العراق، الذي يعد من بين أكبر منتجي النفط في العالم، مشددا على ضرورة تضافر الجهود لمواجهة هذه الظاهرة. وتعرض العراق لعدة أزمات اقتصادية نتيجة الفساد المستشري، مما جعل الحاجة ملحة لإجراءات فعالة.
خسائر فادحة نتيجة الفساد
كشفت دراسات اقتصادية أن العراق قد تكبد خسائر تقدر بأكثر من تريليون دولار نتيجة الفساد المالي والإداري. وأوضح الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أن جزءا كبيرا من الأموال المنهوبة تم تهريبها إلى خارج البلاد، مما زاد من تعقيد الوضع الاقتصادي.
وأشار المشهداني إلى أن التقديرات الحكومية للأموال المهربة تتراوح بين 350 و600 مليار دولار، في حين أن الرئيس العراقي الأسبق برهم صالح قدرها بحوالي 150 مليار دولار. وتبين أن كلفة الحصول على المناصب الوزارية تضاعفت بشكل كبير بعد عام 2018، مما يعكس حجم الفساد المتنامي.
كما أشار المشهداني إلى أن الفساد أثر بشكل كبير على قطاع التعليم والصحة، حيث يعاني العراق من نقص كبير في المدارس والمستشفيات. وأكد أن الأموال المضبوطة في قضايا الفساد قد تصل إلى مليارين دولار، وهي كافية لإنشاء عدد كبير من المصانع وتوفير فرص عمل للمواطنين.
تداعيات الفساد على التنمية
أوضح الخبير المالي والمصرفي مصطفى أكرم حنتوش أن الفساد لا يقتصر فقط على الأموال المنهوبة، بل يؤثر أيضا على مستوى الخدمات العامة. وأشار إلى أن الفساد حرم الأجيال الجديدة من فرص العمل، وأعاق بناء مؤسسات الدولة بشكل فعّال.
وأضاف حنتوش أن الفساد يعاني من ثلاثة أوجه رئيسية: استنزاف المال العام، إهدار فرص التنمية، وتهديد مستقبل الأجيال. وأكد أن حملة مكافحة الفساد تتطلب استمرارية ودعما مجتمعيا لتحويلها إلى نهج مؤسسي دائم.
وأشار إلى أن الحكومة العراقية وجهت وزارة المالية بإنشاء حساب مخصص لإيداع الأموال المستردة من المتورطين في قضايا الفساد، مما يعكس التزام الحكومة بحماية المال العام. وأكدت هيئة النزاهة أنها تمكنت من حجز كميات من الأموال خارج البلاد.
الآفاق المستقبلية للحملة
يرى الصحفي مصطفى جليل أن استرداد الأموال المنهوبة يمثل خطوة هامة، لكنه يحتاج لإصلاحات مؤسسية وتشريعية لمنع تكرار الفساد. وأكد أن الفساد في العراق يتطلب معالجة شاملة تتجاوز عملية الاسترداد.
وفي ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، مثل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية وارتفاع معدلات البطالة، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى نجاح الحملة الحالية في إحداث تغيير حقيقي. ومع استمرار التحقيقات واعتقال المزيد من المتهمين، يتنظر الشارع العراقي نتائج ملموسة.
ومع تزايد الضغوط على الحكومة العراقية، تبقى الأنظار متجهة نحو ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية، وما إذا كانت هذه الحملة ستنجح في استعادة جزء من الأموال العامة أم ستبقى نتائجها محدودة.


















