الصحفي طارق ديلواني :- الشعبوية تطل برأسها تحت القبة لتغتال قانون الإدارة المحلية! لماذا كل هذا الرعب من "مشرط" الحوكمة؟

مرة أخرى تعود "الشعبوية السياسية" للعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، وهذه المرة عبر مشروع قانون الإدارة المحلية.
أصوات تتعالى، وخطابات عاطفية كل هدفها وأد مشروع يحاول أخيراً أن يضع حداً للفوضى الخدمية ويؤسس لعمل بلدي وتنموي حقيقي.
ثمة محاولة واضحة للتهويل، ولأن الشعبوية تتغذى على الخوف يتم تصوير القانون الجديد وكأنه مؤامرة لسرقة صلاحيات البلديات وإضعافها، بينما الحقيقة أن القانون يسعى لمأسسة العمل، ومنع تحول البلديات إلى إقطاعيات شخصية أو حزبية توزع فيها الخدمات بالواسطة والمحسوبية.
لماذا كل هذا الرعب اذا من مشرط الحوكمة، رغم انه يفرض رقابة مالية وإدارية صارمة وفصلاً للمهام، ويقطع الطريق أمام تحويل البلدية إلى "تكية حزبية".
يصرّ تيار تحت قبة البرلمان على الاستثمار في المظلومية وتقديم البكائيات المستمرة حول التهميش وتقييد الحريات... لم لا فهي أسهل طريقة لحصد التعاطف.
وعندما يأتي تشريع يضع معايير صارمة للرقابة المالية والحوكمة، يصبح هذا التشريع فجأة تكميماً للأفواه واعتداء على الديمقراطية.
لكن الهروب من "مربع الإنجاز" إلى "مربع الخطابة"لا ينجح دائماً، لأن المعارضة الشعبوية تبرع في الصراخ، ولأنها تفشل فشلاً ذريعاً عندما يُطلب منها تقديم بديل تنموي حقيقي وقابل للتطبيق.
يدرك هذا التيار أن الحصار السياسي يشتد عليه، فيبحث عن "رئة تنفس جديدة" في المحافظات والأطراف، ويبدو أن مشروع القانون الجديد جاء ليفسد هذه الطبخة السياسية بامتياز.
مشروع القانون يمثل ضربة موجعة للعمل العشوائي ويحمي مقدرات البلديات، ويضع آليات رقابة تمنع استنزاف الموازنات في تعيينات انتخابية وتنفيعات لا طائل منها، وتوجيهها بدل ذلك نحو مشاريع تنموية مستدامة.
الأهم أن هذا القانون سيقوم بفك الارتباط بين الخدمات والصوت الانتخابي على نحو يقلص مساحة استغلال حاجة المواطن للخدمات كورقة ضغط سياسي.
كما انه يمنح صلاحيات لأبناء المحافظات أنفسهم لإدارة شؤونهم، بعيداً عن وصاية نواب "الصالونات السياسية" في عمان.
واخشى ان يكون من هذا الاستشراس ضد مشروع قانون الإدارة المحلية، ليس أكثر من ذعر سياسي من قانون ذكي يقطع دابر "المال السياسي الخدمي" ويجفف منابع التجييش العاطفي.
لا مكان إذا اليوم لمن يعتقد أن رئاسة البلدية أو عضوية اللامركزية هي حصانة من المحاسبة عن أي هدر أو تقصير. اما زمن الفوضى المالية التي تركت خلفها بلديات غارقة بالديون فقد انتهى.



















