+
أأ
-

متاهة الاستثمار في تونس: لماذا تتعثر المشاريع رغم الارقام الواعدة؟

{title}
بلكي الإخباري

يواجه المستثمر التونسي محمد خليل رحلة شاقة في محاولة تطوير مشروعه العائلي لتربية الدواجن، حيث اصطدم بمسار اداري طويل ومعقد استنزف من وقته اربع سنوات كاملة. كشف خليل انه يتابع ملف استكمال الاجراءات وكراس الشروط المطلوب لانجاز مشروعه وسط شعور دائم بانه يسير في متاهة حقيقية تزداد تعقيداتها مع كل مرحلة جديدة، موضحا ان المشكلة الحقيقية لا تتعلق بفكرة المشروع بحد ذاتها بل بالفجوة الكبيرة بين قرار الاستثمار والقدرة الفعلية على تنفيذه على ارض الواقع.

واشار خليل الى ان مشاريع تربية الدواجن في تونس تخضع لمجموعة واسعة من الشروط الصحية والبيطرية والبيئية التي تزيد من حدة التعقيدات الادارية مقارنة بقطاعات اخرى، مبينا ان هذا المسار الطويل يفرض تحديات جمة على المستثمرين الذين يطمحون الى تحديث منشاتهم ورفع طاقتهم الانتاجية. واكد ان هذه العقبات البيروقراطية تؤدي في نهاية المطاف الى تعطيل فرص نمو حقيقية كان يمكن ان تسهم في خلق مواطن شغل جديدة وتوسيع النشاط الاقتصادي المحلي.

واضاف ان التجربة الشخصية التي يعيشها تعكس جانبا من المعاناة التي يواجهها قطاع عريض من المستثمرين الذين يجدون انفسهم رهينة لاجراءات ادارية تتسم بالبطء، مشددا على ضرورة اعادة النظر في هذه المسارات التي اصبحت تشكل حاجزا امام المبادرات الخاصة. وبين ان تذليل هذه الصعوبات يتطلب ارادة حقيقية لتبسيط القوانين وتجاوز التداخل الاداري الذي يعيق تدفق الاستثمارات ويجمد رؤوس الاموال في مشاريع معطلة.

ارقام ايجابية وتحديات واقعية

واظهرت البيانات الصادرة عن الهيئة التونسية للاستثمار ان حجم الاستثمارات المصرح بها قد شهد نموا ملحوظا خلال العام الماضي ليصل الى نحو 8.36 مليارات دينار، بزيادة بلغت نسبتها 39.3% مقارنة بالفترة السابقة. واوضحت الهيئة ان هذه الاستثمارات تحمل وعودا بخلق اكثر من 101 الف فرصة عمل جديدة، مما يعكس حيوية القطاع الخاص ورغبته في التوسع رغم الظروف الاقتصادية المحيطة.

واكدت وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ان الاستثمارات الاجنبية سجلت هي الاخرى نموا لافتا تجاوزت نسبته 30.3%، حيث بلغت قيمتها 3.57 مليارات دينار. وبينت هذه الارقام ان تونس لا تزال تمتلك مزايا تنافسية هامة، لا سيما موقعها الاستراتيجي القريب من الاسواق الاوروبية وتوفر اليد العاملة المؤهلة في مجالات حيوية مثل صناعة مكونات السيارات والطيران والمنسوجات والكهرباء.

واضاف الخبراء ان هذه المؤشرات الرقمية تعبر عن النوايا الاستثمارية والتدفقات المعلنة، لكنها لا تقدم اجابات واضحة حول نسبة المشاريع التي تنجح في عبور مرحلة التصريح لتصل الى الانجاز الفعلي على الارض. واشاروا الى ان التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الوعود الاستثمارية الى واقع ملموس يساهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي بعيدا عن الارقام النظرية التي قد تظل معلقة في انتظار الموافقات الادارية.

عقبات التمويل والبيروقراطية

وكشفت مسوحات البنك الدولي ان المؤسسات التونسية تواجه منظومة مركبة من العوائق التي تتجاوز البيروقراطية في ترتيب اولوياتها، حيث اعتبرت نسبة 28.8% من الشركات ان النفاذ الى التمويل هو التحدي الاكبر الذي يواجه نشاطها اليومي. واوضحت البيانات ان مشاكل اخرى مثل كلفة الكهرباء والضرائب والمنافسة غير المنظمة تأتي ضمن قائمة التحديات التي تؤرق اصحاب المشاريع.

واوضح الخبير الاقتصادي سمير زنطور ان الاقتصاد التونسي يمتلك افاقا واعدة لجذب الاستثمارات، لكنه يعاني من ترهل في الترسانة القانونية التي تحتاج الى تحديث جذري لتواكب متطلبات العصر. واضاف ان البيروقراطية تظل عائقا مؤثرا، حيث يتسبب التأخير في الاجراءات في تجميد رؤوس الاموال وارتفاع تكلفة المشاريع، مما يؤدي في كثير من الاحيان الى تراجع المستثمرين عن تنفيذ خططهم التوسعية.

واكد زنطور ان التمويل يظل هو الحلقة الاضعف والاكثر انتشارا، حيث اظهرت المسوحات ان اكثر من 67% من المؤسسات لا تملك خطوط ائتمان بنكية، مبينا ان هذا الواقع يفرض على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مزيدا من الحذر في اطلاق مشاريع جديدة. وشدد على ان غياب التمويل الميسر مع تعقد المسارات الادارية يخلق بيئة طاردة للاستثمار لا سيما للمؤسسات التي تعتمد على التمويل الذاتي ولا تملك القدرة على الصمود في وجه الانتظار الطويل.

نحو بيئة استثمارية اكثر جاذبية

وبينت الخبيرة في الحوكمة نادية الجلاصي ان تحديث منظومة التقاضي وتسهيل فض النزاعات التجارية يعد ركيزة اساسية لطمأنة المستثمرين الاجانب والمحليين على حد سواء. واضافت ان المستثمر يبحث دائما عن بيئة قانونية وقضائية شفافة توفر له الحماية القانونية اللازمة، موضحة ان مناخ الاستثمار لا يتوقف عند الحوافز الضريبية بل يمتد ليشمل سرعة الفصل في النزاعات وضمان تنفيذ الاحكام القضائية.

واكدت ان تونس تسعى من خلال الملتقيات الاقتصادية، مثل الملتقى التونسي الخليجي، الى استقطاب رؤوس اموال جديدة وتعزيز الشراكات الاستراتيجية. واوضح المستثمرون المشاركون ان تونس تظل وجهة جذابة بفضل استقرارها النسبي وبيئتها الامنة، لكنهم ينتظرون خطوات اكثر جرأة لتسهيل الاجراءات الادارية وتذليل العقبات البيروقراطية التي تواجههم عند بدء النشاط.

واضاف المراقبون ان الاقتصاد التونسي الذي سجل نموا محدودا في الفترة الاخيرة يحتاج الى دفعة قوية من الاستثمارات الخاصة لتحقيق معدلات نمو مستدامة. وخلصوا الى ان نجاح تونس في جذب الاستثمار مرهون بمدى قدرتها على معالجة الحزمة الكاملة من التحديات، بدءا من تسهيل النفاذ الى التمويل وصولا الى تحديث الادارة والقوانين، ليتحول الاستثمار من مجرد ارقام معلنة الى مشاريع منتجة تساهم في خفض معدلات البطالة وتحسين الوضع الاقتصادي العام.