مستقبل العقوبات الامريكية على ايران في ظل تشبع الضغوط الاقتصادية

تجد الولايات المتحدة نفسها امام تحديات متزايدة بعد عقود من فرض العقوبات الاقتصادية على ايران حيث استنفدت واشنطن تقريبا جميع الاهداف الاقتصادية المباشرة داخل طهران. واظهرت التحليلات ان الحرب الاقتصادية التي اعلن عنها الرئيس دونالد ترمب لم تعد تقتصر على الداخل الايراني بل بدات تتوسع لتشمل الدول والشركات والمصارف التي توفر منافذ حيوية لطهران وفي مقدمتها الصين.
واكد ترمب في تصريحاته الاخيرة ان الادارة الامريكية بصدد شن اقسى عملية اقتصادية مع التحذير من فرض عواقب هائلة على اي جهة خارجية توفر شريان دعم للاقتصاد الايراني. واضاف ان هذا التهديد يضع واشنطن امام معضلة حقيقية تتمثل في ندرة الاهداف الايرانية المتبقية التي يمكن ان يؤدي استهدافها الى احداث ضرر اضافي ملموس.
وبينت التقارير الصادرة عن مؤسسات بحثية ان الاقتصاد الايراني تعرض بالفعل لعقوبات طالت قطاعات الطاقة والمعادن والسيارات والبنك المركزي والحرس الثوري. واوضحت ان مساحة العقوبات المباشرة وصلت الى حالة من التشبع مما دفع مركز ثقل التصعيد الامريكي نحو الاطراف الخارجية التي تتيح لطهران الوصول الى الاسواق العالمية.
استراتيجية الضغط العابر للحدود
وتعمل وزارة الخزانة الامريكية منذ فترة على ما يعرف بعملية الغضب الاقتصادي التي تستهدف بشكل رئيسي اساطيل الظل والمصافي الاجنبية والوسطاء الماليين في عدة دول منها الامارات وهونغ كونغ والعراق وعمان. واشارت المعطيات الى ان العقوبات الثانوية تعتمد بشكل اساسي على نفوذ الدولار الامريكي لاجبار المؤسسات الاجنبية على الاختيار بين التعامل مع ايران او الاحتفاظ بفرص الوصول الى الاسواق المالية الامريكية.
وكشفت البيانات ان الصين تشتري اكثر من 80% من صادرات النفط الايرانية مما يجعلها المحرك الاساسي لاستمرار التدفقات المالية لطهران. واضافت ان المدفوعات تتم عبر مصارف صينية صغيرة وشركات تجارية تعتمد في الغالب على اليوان او قنوات دفع تتجاوز النظام المالي القائم على الدولار.
وذكرت تقارير بلومبيرغ ان واشنطن وجهت تحذيرات غير مباشرة لبعض المصارف الصينية الكبرى من مخاطر الانخراط في تعاملات مع ايران. واوضحت ان الادارة الامريكية لا تزال تتردد في فرض عقوبات فعلية على هذه المصارف نظرا لتعقيدات العلاقات التجارية والاقتصادية بين القوتين العظميين.
مخاطر الارتداد على الاقتصاد العالمي
وتشير التقديرات الى ان استهداف مصرف صيني كبير قد يربك المعاملات المالية العالمية ويستدعي ردا قويا من بكين التي تهيمن على سلاسل توريد المعادن الحيوية. واكد محللون ان الصين اتخذت خطوات قانونية تمنع شركاتها من الامتثال للعقوبات الامريكية داخل اراضيها مما يضع واشنطن امام حدود واقعية للضغط.
واوضحت الدراسات الاقتصادية ان تشديد القيود على النفط الايراني قد يؤدي الى ارتفاع حاد في اسعار الطاقة العالمية مما يضر بالمستهلكين والاقتصاد الامريكي نفسه. واضاف الخبراء ان بعض ادوات الضغط المتبقية قد ترتد آثارها السلبية على واشنطن من خلال سلاسل التوريد والسلع الصناعية.
وكشفت التحليلات ان العقوبات المكثفة دفعت الدول المستهدفة مثل ايران وروسيا والصين الى تعزيز التعاون فيما بينها وتطوير انظمة دفع مستقلة عن الدولار. وبينت ان هذه الديناميكية قد تضعف على المدى البعيد من فعالية النفوذ المالي الامريكي الذي تستند اليه سياسة العقوبات.
مستقبل سياسة الحصار الاقتصادي
ويرى مراقبون ان المسار الامريكي القادم سيركز على سد الثغرات وملاحقة شبكات التمويل الخفية بدلا من البحث عن قطاعات جديدة داخل ايران. واضافت المصادر ان هذا النهج يهدف الى تضييق الخناق على الوسطاء واصحاب السفن الذين يساعدون في تمرير العائدات النفطية.
واكدت وزارة الخزانة الامريكية ان اجراءاتها ضد شبكات الظل المصرفية بدات تترك اثارها على الاقتصاد الايراني. واوضحت ان المرحلة القادمة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة واشنطن على الموازنة بين الضغط الاقتصادي وبين تجنب حدوث اضطرابات واسعة في الاسواق العالمية.
وختاما فان معادلة العقوبات تشهد تحولا جذريا حيث لم تعد المسالة تتعلق بما يمكن معاقبته بقدر ما تتعلق بحجم الضرر الذي يمكن ان تتحمله الاسواق والاقتصاد العالمي قبل ان تصبح كلفة التصعيد الامريكي اكبر من مكاسبه الاستراتيجية.


















