+
أأ
-

لماذا تثير عوائد السندات المرتفعة قلق الأسواق العالمية وما علاقة الذكاء الاصطناعي؟

{title}
بلكي الإخباري

تشهد اسواق المال العالمية حالة من الترقب والحذر نتيجة الارتفاع الملحوظ في تكاليف الاقتراض الحكومي، حيث يطالب المستثمرون بعوائد اعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الاجل. وتأتي هذه التطورات في ظل مزيج من الضغوط الاقتصادية التي تشمل العجز المالي المتنامي واستمرار معدلات التضخم، اضافة الى زيادة كبيرة في اصدارات الديون من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى التي تسعى لتمويل توسعاتها الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

واظهرت البيانات الاقتصادية وصول عوائد السندات الحكومية اليابانية لاجل 30 عاما الى مستويات قياسية اقتربت من 4.19 بالمئة، في حين سجلت السندات البريطانية المماثلة اعلى مستوياتها منذ عقود طويلة. وبين مؤشر بلومبيرغ الذي يراقب ديون حكومات مجموعة السبع ان العوائد بلغت ذروتها منذ عام 2000، مما يعكس تحولا جوهريا في سلوك المستثمرين الذين اصبحوا اكثر ابتعادا عن السندات السيادية طويلة الاجل.

واكد خبراء ماليون ان تراجع الاقبال على هذه الاصول يعود الى مخاوف حقيقية من ضعف القدرة على سداد المستحقات مع ارتفاع التضخم، فضلا عن المنافسة الشرسة التي تفرضها شركات التكنولوجيا التي تطرح كميات هائلة من الديون في الاسواق. واوضح المحللون ان هذه الشركات اصبحت لاعبا رئيسا في سوق السندات، مما يضع ضغوطا اضافية على الحكومات التي تواجه تحديات تمويلية متزايدة.

طبيعة السندات طويلة الاجل ومخاطرها

وتعتبر السندات السيادية التي تصدرها الدول الغنية من اكثر الادوات المالية امانا، حيث تستخدمها الحكومات لتثبيت تكاليف التمويل لفترات زمنية طويلة تصل احيانا الى ثلاثين عاما او اكثر. واضافت التقارير ان هذه السندات رغم امانها النسبي، الا انها تحمل مخاطر كامنة للمستثمرين، حيث يؤدي ارتفاع التضخم واسعار الفائدة قصيرة الاجل الى تآكل القيمة الحقيقية لمدفوعات الفائدة واصل السند عند الاستحقاق.

وذكر المتابعون للسوق ان حساسية السندات طويلة الاجل تجاه تقلبات التضخم اكبر بكثير من غيرها، نظرا للفترة الزمنية الطويلة التي تظل فيها قيمة السند عرضة للتأثر. واشاروا الى ان عوائد سندات الخزانة الامريكية والالمانية سجلت مؤخرا مستويات لم تشهدها منذ اكثر من عقد، مما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين تجاه المسارات المستقبلية للسياسات النقدية.

واوضح تقرير حديث ان الاسواق تشعر بالقلق من ان البنوك المركزية قد لا تتخذ خطوات كافية لاحتواء التضخم، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيراتها على تكاليف الطاقة. واضاف ان عمليات البيع المكثفة للسندات جاءت كنتيجة مباشرة لعدم وضوح الرؤية بشأن التزام البنوك المركزية باعادة التضخم الى مستهدفاتها البالغة 2 بالمئة.

تحولات هيكلية في سوق الديون العالمي

وكشفت التحليلات ان سوق الديون يشهد تغيرا جذريا في معادلة العرض والطلب، حيث انتقل العالم من مرحلة وفرة الادخار التي كانت تحافظ على عوائد منخفضة، الى مرحلة وفرة السندات. واكدت عضوة المجلس التنفيذي للبنك المركزي الاوروبي ان زيادة الانفاق الحكومي على الدفاع والطاقة المتجددة، الى جانب اقتراض الولايات المتحدة لتمويل دين عام ضخم، قد غير قواعد اللعبة تماما.

وبينت الارقام ان الطلب الاجنبي على السندات تراجع بشكل ملحوظ، بينما قلصت البنوك المركزية عمليات الشراء التي كانت تعتمد عليها الاسواق لسنوات طويلة. واضاف الخبراء ان هذا التحول جعل السوق يعتمد بشكل اكبر على مستثمرين من القطاع الخاص الذين يطالبون بعلاوات مخاطر اعلى مقابل الاحتفاظ بالديون طويلة الاجل، مما يفسر الارتفاع الكبير في ما يعرف بعلاوة الاجل.

واشار المختصون الى ان شركات التكنولوجيا الكبرى باعت سندات بقيمة تجاوزت 1.5 تريليون دولار منذ بداية العام، وهو ما يمثل ضغطا اضافيا على السيولة المتاحة في الاسواق. وشددوا على ان اقتراض هذه الشركات يلتهم جزءا كبيرا من صافي اصدارات الخزانة الامريكية، مما يدفع بعوائد السندات نحو الارتفاع ويؤثر بشكل مباشر على تكلفة الاقتراض للاسر والشركات الاخرى.

انعكاسات ارتفاع العوائد على الاقتصاد

واكدت الدراسات الاقتصادية ان ارتفاع عوائد السندات لا يؤثر فقط على الحكومة، بل يمتد ليشمل الرهون العقارية وديون الشركات، مما يزيد من الضغوط المالية على الافراد. واضافت ان الحكومات بدات تلجأ الى آجال اقتراض اقصر لتجنب تكاليف الفائدة المرتفعة، لكن ذلك يحمل مخاطر اعادة التمويل في ظل ظروف اقتصادية غير مستقرة.

وبينت وزارة الخزانة الامريكية انها تعمل على زيادة عمليات اعادة شراء السندات طويلة الاجل لدعم السيولة، الا ان فعالية هذه الخطوات لا تزال موضع تساؤل. واشار محللون الى ان السيطرة على الضغوط الحالية تتطلب حلولا صعبة تشمل زيادة الضرائب او خفض الانفاق الحكومي، وهي خطوات تحمل كلفة سياسية عالية.

وختم الخبراء بان الارتفاع الحالي في العوائد قد لا يكون سلبيا بالكامل، اذ يراه البعض عودة الى مستويات طبيعية بعد سنوات من العوائد الصفرية. واضافوا ان هذا الارتفاع يعكس قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل تكاليف اقتراض اعلى، مؤكدين ان المرحلة الحالية قد تكون هي الواقع الجديد الذي يجب على الاسواق التكيف معه لفترة طويلة.