+
أأ
-

د. محمد العزة يكتب :- جهاز المخابرات... القيل والقال: لماذا السؤال الآن؟ الجزء الاول

{title}
بلكي الإخباري

 

 

لعل الحديث عن تاريخ الأجهزة الأمنية في الدول العربية، وتحديدا أجهزة المخابرات، من أقل الموضوعات شيوعا و تناولا في الكتابة السياسية،  لأسباب متعددة .

ولهذا، فإن الحديث عن تاريخ   هذا الجهاز  لا يمكن أن يكون عبر استعراض الوقائع أو استحضار الروايات المتداولة فقط ، بل مقارنتها و النتائج على المجتمع  .

ومن هنا تقتضي الضرورة التنويه منذ البداية بأن هذا الطرح يأتي ضمن السياق العام لفهم طبيعة عمل الأجهزة الأمنية، بعيدا عن تجاذبات تفاصيل الأداء و الأدوار التي تحتاج إلى ما هو أوسع من نطاق الحلقة الضيقة، و لا التعامل مع الروايات غير الموثقة باعتبارها حقائق تاريخية.

ومع ذلك، يبقى الحديث عن أجهزة المخابرات من أكثر الموضوعات رواجا داخل  المجتمعات العربية السياسية. ربما يعود ذلك لأسباب عدة منها  عنصر التشويق والغموض وقصص المغامرة، وما ارتبط بها من روايات نقلت عن شخصيات امتحنت التجربة أو جهات متعددة امتلكت الخبرة في أسلوب الرواية  التي توزعت مابين النقد والإشادة، أو بين تحميل هذه الأجهزة مسؤولية بعض الأحداث خلال مرحلة التحولات السياسية، و اعتبارها أحد الادوات الرئيسية في حماية الدولة واستقرارها.

وقد ارتبطت صورة الأجهزة الأمنية في الوعي السياسي العربي بتاريخ الدولة الحديثة، و بمراحل التحول السياسي الديمقراطي التي رافقت نشأة الأنظمة العربية خلال القرن العشرين ، ومع اختلاف طبيعة الأنظمة بين الملكي و الجمهوري ، و بين الشمولية والقمع من جهة، و محاولات التوفيق بين الأمن والديمقراطية والحريات العامة من جهة أخرى ، وهي مسألة تطرقت لها في مقال "الديمقراطية مابين الجمهورية و الملكية ".

نتيجة تباين سلوك الأجهزة الأمنية للانظمة العربية أثناء القيام  بادوارها تشكلت في ذاكرة السياسية العربية صورة مركبة عن هذه الأجهزة، بعضها نتاج قراءة تحليلية عامة لآثار تركتها في مسيرة الدولة وأحداثها الأمنية  مباشرة، وبعضها الآخر نتاج روايات متوارثة، أو أدبيات سياسية، أو شهادات شخصية، أو حتى أعمال درامية وسينمائية أسهمت في تكوين صورة شعبية عن عالم المخابرات والأمن السياسي.

لكن فهم هذه المسألة لا يمكن فصله عن السياق الجيوسياسي الذي نشأت فيه الدولة العربية الحديثة.

فمنذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة أعادت رسم خريطة المشرق العربي، و أسهمت في الانتقال من فضاء وحدة الكتلة الجغرافية المترابطة إلى دول و كيانات سياسية مستقلة ذات حدود و سيادة وطنية قطرية ، تحت تأثير هندسة  قوى استعمارية صاعدة جديدة ، تنافس على النفوذ والمصالح فيها .

وكانت نشأة  القضية الفلسطينية إحدى أهم القضايا التي أعادت تشكيل البيئة السياسية والأمنية للمنطقة، خصوصا مع قيام إسرائيل و نكبة فلسطين 1948، وما أعقب ذلك من حروب وصراعات وأزمات متتالية مدبرة ، تحت عنوان الصراع العربي الاسرائيلي، لجعل الأمن الوطني لكل دولة عربية متداخلا بدرجات متفاوتة مع الأمن الإقليمي و ملفات القضية الفلسطينية ،  يعتمد مستوى الانخراط ، حسب القرب منها و درجة تأثرها بمجرياتها .

ومن هنا أصبح الصراع العربي الإسرائيلي أحد أهم المحاور الرئيسية التي شغلت عقل الأنظمة العربية ومؤسساتها الأمنية، وأثرت في صياغة عقيدتها السياسية ، وفي تحديد أولوياتها، وفي طبيعة تحديد  العلاقة بين متطلبات الأمن ومتطلبات الحرية السياسية.

أردنيا لماذا يستحق الموضوع الاهتمام؟

عند الانتقال إلى الحالة الأردنية، يصبح الحديث أكثر خصوصية ، لأن فهم تاريخ نشأة تأسيس جهاز المخابرات العامة لا ينفصل عن فهم طبيعة ظروف بقية الأجهزة العربية بشكل عام، من حيث الظروف و العوامل ، اذ مرت الدولة في تحولات و مراحل حساسة و حرجة منذ تأسيس الإمارة، مرورا بإعلان الاستقلال وقيام المملكة، وصولا إلى الدولة الأردنية المعاصرة.

فجهاز المخابرات العامة، بوصفه مؤسسة من مؤسسات الدولة، نشأ في بيئة سياسية وجغرافية وأمنية شديدة التعقيد ،الأردن لم يكن دولة منعزلة عن محيطها ، بل وجد نفسه منذ نشأته في قلب منطقة صراع ، تتداخل فيها الجغرافيا بالديمغرافيا ، والسياسة بالأمن، مركزها القضية الفلسطينية.

توفرت عوامل عدة اخذت في الاعتبار أو فرضت نفسها عند اتخاذ قرار تأسيس هذا الجهاز ، تلبية لاحتياجات طبيعة بداية بناء الدولة نفسها، و الظروف الإقليمية التي أحاطت بها.

فالأردن واجه منذ تأسيسه تحديات متعددة المستويات: بناء مؤسسات الدولة، تثبيت الاستقرار السياسي، حماية السيادة الوطنية، التعامل مع تداعيات القضية الفلسطينية و تهديدات الكيان الصهيوني ، ومواجهة ارتدادات الهزات السياسية التي شهدها محيطه العربي.

يضاف إليها عوامل تعدد التركيبة السكانية و تنوع مكونات مجتمعه، وقربه من فلسطين بأطول حدود مواجهة مشتركة مع الكيان الإسرائيلي المحتل و موقعه الجغرافي المتوسط بين سوريا والعراق و مصر و السعودية ، جعله من الطبيعي بحكم الواقع جزءا من منظومة إقليمية  مضطربة،عدا عن تجاذبات  أقطاب الحرب الباردة  المعسكر الشرقي السوفياتي و الغربي بقيادة امريكا في بداية خمسينات القرن الماضي ، التي انعكست تداعياتها في استقطاب دول المنطقة و تقسيمها إلى معسكرين مما أثار النزاعات الداخلية و حياكة المؤامرات التي تخللتها انقلابات عسكرية هدفت لصناعة تحولات سياسية تعمل على تصدير فكر الفريق السياسي الذي استلم سدة السلطة إلى الساحات الأخرى ، والتي  وصل صداها الى الساحة الأردنية و تجسد داخلها على شكل قوى و تيارات سياسية متنازعة.

وهنا تصبح الإجابة عن سؤال "لماذا المخابرات؟" أكثر أهمية من مجرد السؤال عن "ماذا فعلت المخابرات؟".

فالأول يقودنا إلى فهم الحاجة التي دفعت الدولة إلى إنشاء مؤسسة أمنية مهنية متخصصة، وتحديد مهامها وواجباتها ضمن منظومة مؤسسات الدولة، بينما قد يقود الثاني، إذا لم يستند إلى وثائق ومعايير موضوعية، إلى عالم القيل والقال والروايات المتناقضة.

ولذلك فإن الحديث عن جهاز المخابرات الأردني ينبغي أن ينطلق من قاعدة أساسية: المؤسسة الأمنية جزء من الدولة، وليست الدولة كلها، كما أن نقد أخطاء أداء المؤسسة لا يعني بالضرورة نقد الدولة، والدفاع عن الدولة لا يعني بالضرورة تبرير كل ممارسة تصدر عن أي مؤسسة بصفتها الاعتبارية أو ما يصدر عن أخطاء فردية ، وهذه التفرقة ضرورية حتى لا يتحول النقاش إلى معادلة ثنائية العنوان : إما مع المؤسسة وإما ضدها.

فالحديث المسؤول عن الأجهزة الأمنية يجب أن يضع في الاعتبار ثلاث مسائل متلازمة: أمن الدولة، وحقوق المواطن، وسيادة القانون.

وهذه المعادلة هي التي تحدد في النهاية مدى نجاح أي مؤسسة أمنية في أداء وظيفتها الوطنية ، فالأمن الذي يحمي الدولة ويحفظ استقرار المجتمع ويصون القانون يختلف عن الأمن الذي يتحول إلى غاية بذاته ، يقيد فيها حركة و نشاط مواطنه و يحرمه التعبير عن مواطنته الإيجابية ، كما أن الحرية التي لا تراعي أمن الدولة ومصالح المجتمع قد تتحول بدورها إلى فوضى.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا نعرف عن جهاز المخابرات؟

بل: لماذا عاد الحديث عنه الآن؟

هل لأن هناك حاجة فعلية لإعادة قراءة تاريخ المؤسسات الأمنية الأردنية في ضوء التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الأردن؟

أم لأن هناك من يحاول استهدافه و تشويه صورته و أضعافه ثم صناعة فراغ معلوماتي يترك المجال مفتوحا أمام القيل والقال، والروايات الشخصية، و التأويلات السياسية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لتقديم إجابات لا تستند بالضرورة إلى وثائق أو معرفة دقيقة؟

ربما يكون السؤال الأهم هو: هل آن الأوان لفتح نقاش وطني هادئ حول مفهوم الأمن الوطني الأردني، وحدود وظيفته، وتطوره، وعلاقته بالدولة والمجتمع؟

فالمؤسسات التي صنعت جزءا من تاريخ الدولة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الروايات الشفوية، كما لا يجوز أن تتحول إلى موضوع محرم .

إن قراءة تاريخ المؤسسة الأمنية الأردنية لا تعني كشف أسرارها، ولا تعني التشكيك في دورها، و إنما تعني التأكيد على دورها الوطني الهام الفاعل في ترسيخ استقرار المنظومة السياسية كأحد مراكز صنع القرار  و تجذير مفهوم الأمن و الأمان داخل حدود الدولة و حمايتها من اخطار الخارج و اظهار حجم الأعباء و التضحيات الكبيرة المبذول لأجل ذلك.

ولعل ذلك هو المدخل الصحيح للانتقال من "القيل والقال" إلى المعرفة، ومن الرواية الشخصية إلى التاريخ الموثق، ومن الانطباع إلى التحليل الموضوعي.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:

إذا كان جهاز المخابرات مؤسسة من مؤسسات الدولة الأردنية، فهل يمكن أن نفهم تاريخ الدولة الأردنية الحديثة دون أن نفهم الظروف التي صنعت الحاجة إلى هذه المؤسسة؟ تحديدا و نحن نعيش ظروف أمنية و مرحلة  سياسية استثنائية راهنة مختلفة عما سبقها  في الظروف و التكتيكات و الادوات و الأهداف 

...وللحديث بقية .