+
أأ
-

جهاز المخابرات... القيل والقال: من أمن النظام إلى أمن الدولة الجزء الثاني

{title}
بلكي الإخباري

 

د. محمد العزة

في الجزء الثاني من المقال السابق: "لماذا المخابرات الآن؟"، ننتقل من سؤال النشأة إلى سؤال تطور مفهوم أمن الدولة : كيف تطورت أدوار جهاز المخابرات العامة، واتسعت مهامه ، وانتقل تدريجيا من "أمن النظام" إلى مفهوم أوسع يتصل بـ"أمن الدولة"؟

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة تستحق التوقف عندها: ما عناصر نجاح الجهاز كمؤسسة؟ اين مواقع  الإخفاق ومتى يحدث عندما تتصل بعض الممارسات بهامش صلاحيات الأفراد، لا باستراتيجية السياسة الأمنية العامة؟ ولماذا تصبح المراجعة الدورية ضرورة مؤسسية مع تغير طبيعة احتياجات الدولة ومصادر التهديد، وصولا إلى بناء منظومة أمنية تعد احد مراكز صنع القرار السياسي اوقات الأزمات و التعامل مع التحولات وإدارة تحصين المجتمع ؟

بالعودة قليلا إلى الوراء، نجد أن الصورة العامة للأجهزة الأمنية في المراحل الأولى من الدولة الأردنية ارتبطت بدرجة كبيرة بحماية الاستقرار السياسي، ومواجهة محاولات زعزعة الدولة و الانقلابات المتأثرة بارهاصات تجاذبات فكر القوى السياسية الخارجية والصراعات الإقليمية.

في تلك المرحلة، كان الاعتماد  على العنصر البشري العامل الرئيسي في إدارة العمل الأمني، وكانت الخبرة تتراكم من خلال التجربة والممارسة، ضمن حدود امكانيات الطاقة البشرية والتقنية المتاحة آنذاك ،  وهي مرحلة لها ظروفها ورجالها وأدواتها، ولا يمكن قراءتها بمعايير مرحلة مختلفة عنها.

لكن الدولة لم تبق على حالها، مع بداية الألفية الجديدة، دخل الأردن، في عهد الملكية الرابعة، بيئة إقليمية ودولية ، مشابهة لتلك في المرحلة السابقة تحاكي ظروفها بل اشد اضطرابا و اكثر سخونة و تعقيدا. 

 بدأت بهجمات نيويورك 11 سبتمبر 2001 ، ثم غزو العراق وسقوط بغداد عام 2003، و إعلان الحرب على الإرهاب،  التي أعادت تشكيل طبيعة العلاقات الدولية والتهديدات التي تواجه دول المنطقة.

ثم جاءت تفجيرات عمان عام 2005 لتؤكد أن الأردن كان أولى محطات استهداف تلك الحرب و أن الإرهاب لا دين له ، قد بات على حدوده ، وأن الجغرافيا السياسية للدولة تجعلها على تماس مباشر مع التحولات الأمنية الإقليمية.

وبعد ذلك، دخلت المنطقة في موجة من الاضطرابات والصراعات ، أخطرها الخريف العربي الذي أعاد رسم الخريطة الجيوسياسية لعدد من الدول ، ترافقت مع موجات لجوء واسعة، وصراعات على النفوذ ، وتغير في موازين القوى، وظهور مشاريع تنفذ بأدوات جديدة للتأثير السياسي والأمني.

ثم جاءت جائحة كورونا، وأحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من تداعيات إقليمية، والتحولات الكبرى في سوريا 2024 ، وصولا إلى التصعيد الإقليمي والحرب الدائرة حاليا التي باتت تجمع بين الأدوات العسكرية والتكنولوجية والإلكترونية والمعلوماتية.

هذه التحولات كلها جعلت البيئة الأمنية الأردنية أكثر تعقيدا من ذي قبل.

الدولة الأردنية لم تكن بمعزل عن هذه الأحداث الكبرى.

تغيرت الدولة نفسها ، وتغير معها المجتمع والاقتصاد والإعلام ، كما تعددت مصادر التهديد، وأصبحت أكثر تركيبا من مجرد خطر عسكري مباشر أو محاولة سياسية واضحة.

وهنا كان من الطبيعي أن تواكب المؤسسة الأمنية  تطوير إمكانياتها ولا تبقى  تعمل فقط في إطار مفهوم تقليدي يقوم على حماية النظام السياسي، وإنما أصبحت تعمل ضمن منظومة أوسع تتعلق بحماية الدولة ومصالحها وأمنها الوطني، ومتابعة المخاطر الداخلية والخارجية التي يمكن أن تؤثر في استقرارها.

وأصبحت المعلومة في عالم اليوم إحدى أهم أدوات القوة الوطنية.

فالحرب الحديثة قد يبدأ الاستعداد لها بالمعلومة قبل أن تبدأ بالدبابة، وقد تبدأ بالشائعة قبل الصاروخ، وبالاختراق الإلكتروني قبل التحرك العسكري، وبالتأثير الاقتصادي قبل الحصار، وبضرب ثقة المواطن بمؤسسات دولته قبل استهداف بنيتها المادية.

ومن هنا، فإن وظيفة أجهزة الأمن والاستخبارات في القرن الحادي والعشرين أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

الموقع الجيوسياسي الاردني لعب دورا في إعطاء خصوصية وأهمية لهذا الجهاز ، إذ يقع الاردن في منطقة تتقاطع معها ملفات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية شديدة الحساسية ، لها انعكاساتها داخليا 

وهذا ما يفسر توسع مهام عمل جهاز المخابرات و عدم الاقتصار على الداخل الأردني بل ليتعداه و الاشتباك خارج حدوده .

ولكن... أين يقف المواطن من المخابرات؟

هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في النقاش.

فالمواطن الأردني يريد دولة آمنة ومستقرة، في الوقت نفسه يكون شريكا فاعلا في بناء دولة القانون و العدالة الاجتماعية و المساواة.

يريد جهازا أمنيا قويا منتميا له وجزءا منه و معه في مواجهة الإرهاب والتجسس والجريمة المنظمة والتدخل الخارجي ، وأن يكون انحيازه الأول والأخير للدولة والمصلحة الوطنية والمواطن، بعيدا عن أي توظيف شخصي أو سياسي مرتبط بمصالح أفراد يشغلون مواقع المسؤولية.

وهذا ليس تناقضا ، ولعل رسالة الملك في تكليفه السامي مخاطبا رئاسة الجهاز تضمنت ذلك .

بل ربما تكون هذه هي المعادلة الطبيعية في الدولة الحديثة.

فكلما ازدادت قوة المؤسسة، ازدادت الحاجة إلى وضوح قواعد عملها، وكلما اتسعت مسؤولياتها، ازدادت أهمية الفصل بين المؤسسة وبين الأفراد الذين يعملون داخلها.

وهنا يصبح من الضروري التمييز بين المؤسسة الأمنية بوصفها جزءا من الدولة، وبين أي ممارسة فردية قد تقع من أحد العاملين فيها.

فالأخطاء الفردية لا ينبغي أن تتحول إلى حكم شامل على المؤسسة، كما أن قوة المؤسسة لا ينبغي أن تكون مبررا لحماية أي خطأ فردي من المساءلة أو المراجعة.

من الأسئلة التي تستحق التوقف عندها أيضا: لماذا بقيت صورة المخابرات مثارا للجدل في الوعي العام؟

وهل وجود جهاز مخابرات قوي يتعارض بالضرورة مع الديمقراطية؟

ربما ساهمت خلال الفترات  الماضية بعض النقاشات والتصريحات على لسان بعض الشخصيات السياسية، وما رافقها من حديث عن دور الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية، لغطا كبير ا رسخ انطباعات خاطأ لدى قطاعات واسعة من الرأي العام تربط بين قوة المؤسسة الأمنية وضعف الممارسة الديمقراطية.

وقد جاءت نتائج بعض مراحل العملية السياسية والانتخابية، وتراجع مستوى الثقة بالأداء السياسي، لتمنح هذه النقاشات مساحة أكبر.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدا.

فعالم اليوم يثبت أن حتى اعرق الديمقراطيات لا تعمل في فراغ، وأن الدولة الديمقراطية نفسها تحتاج إلى مؤسسات أمنية قوية لحماية المجتمع والدستور والنظام العام والأمن الوطني.

وفي الوقت نفسه، فإن المؤسسات الأمنية في الدولة الديمقراطية تحتاج إلى قواعد واضحة تحدد اختصاصاتها وتمنع تحولها إلى سلطة فوق السلطات و ذلك لتزيد من التصاق وثقة الشعب بها.

وهنا تظهر أهمية المؤسسة السياسية نفسها.

فلا يكفي أن نطالب بأجهزة أمنية محترفة، بل نحتاج كذلك إلى طبقة سياسية مؤهلة وقادرة على إدارة الدولة، واحترام مؤسساتها، وفهم الحدود الفاصلة بين العمل السياسي والعمل الأمني.

 من هنا ينبغي أن يبدأ أي نقاش أردني هادئ حول المؤسسات الأمنية.

ليس المطلوب إضعاف الأمن لصالح الديمقراطية، ولا التضحية بالديمقراطية لصالح الأمن.

المطلوب هو بناء علاقة مؤسسية متوازنة بين حماية أمن الدولة والمجتمع، لا بديلا عن السياسة، وتجعل الديمقراطية و حرية التعبير عن الرأي داخل إطارا إدارة الاختلاف، لا مدخلا للفوضى أو تقويض الدولة.

لماذا السؤال الآن؟

ربما لأن الأردن، مثل بقية دول المنطقة، يعيش مرحلة مختلفة.

تهديدات اليوم مع ظاهرة الفضاء المفتوح، وحروب المعلومات، و التضليل الإعلامي، والأموال العابرة للحدود، وشبكات المصالح، و الارهاب العابر للدول، وعمليات التجسس إلكتروني، وصراعات إقليمية تتغير أدواتها بصورة مستمرة.

وهذا يعني زيادة الضغوط و الأعباء على الأمن الوطني ، الذي لم يعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبح مفهوما شاملا تشارك في حمايته الدولة والمجتمع ومؤسسات التعليم والإعلام والاقتصاد والسياسة.

ربما تكون المرحلة المقبلة بحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.

فالمواطن لا ينبغي أن ينظر إلى المخابرات باعتبارها مؤسسة غامضة لا يعرف عنها سوى ما يسمعه في المجالس أو ما تتناقله الروايات السياسية والشعبية.

وفي المقابل، لا ينبغي للمؤسسة أن تكون أسيرة الصورة التي صنعتها عنها بعض الروايات المشوهة ، سواء كانت روايات التقديس أو روايات الشيطنة.

من هذا المنظور يتشكل مفهوم أكثر نضجا للأمن الوطني.

مفهوم لا يرى في المواطن مصدر تهديد، وإنما شريكا في حماية الدولة.

ولا يرى في الاختلاف السياسي خطرا أمنيا بالضرورة، وإنما يميز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين النشاط الذي يتحول إلى تهديد حقيقي لأمن الدولة والمجتمع.

وهنا تحديدا تكمن قوة المؤسسات.

ولعل إحدى أهم المراجعات المطلوبة في أي مؤسسة أمنية هي الفصل الدائم بين المؤسسة والأشخاص.

فالمؤسسات تبقى، والأشخاص يتغيرون.

والاستراتيجيات الأمنية يجب أن تبنى على تقدير مؤسسي للمخاطر، لا على اجتهادات شخصية.

كما أن مراجعة الأداء لا تعني إضعاف المؤسسة، بل قد تكون أحد شروط قوتها واستمراريتها.

ولهذا فإن المراجعة الدورية للسياسات الأمنية، وتقييم التجارب، والاستفادة من الأخطاء، وتطوير أدوات القياس لعملها وأثرها على المجتمع ،تعد أهم عوامل ترسيخ  استقراره و تحصينه ، و ليست ترفا سياسيا أو فكريا، وإنما ضرورة تفرضها طبيعة الدولة الحديثة.

وفي النهاية…

إن السؤال عن جهاز المخابرات الأردني ليس سؤالا مقتصرا عن الماضي فقط.

إنه سؤال عن أدواره في الدولة الأردنية التي نريدها في المستقبل.

دولة قوية ديمقراطية حديثة تؤمن  بالتعددية السياسية و احترام أجهزتها ومؤسساتها تحت مظلة سيادة القانون، لا دولة بوليسية. 

ومن هنا، فإن الانتقال من "القيل والقال" إلى المعرفة لا يحتاج إلى كشف أسرار الأجهزة، ولا إلى فتح الملفات المغلقة، وإنما يحتاج إلى قراءة تاريخ الدولة ومؤسساتها بعقل بارد .

السؤال الاخير:

هل نحتاج إلى المخابرات ؟

 ما ورد أعلاه يوفر الإجابة و المدخل الحقيقي للانتقال من الحديث عن "جهاز المخابرات "إلى فهم أوسع لمعنى "الأمن الوطني الأردني".

وحتى نخرج من الصورة النمطية  لاجهزة المخابرات العربية التي رسمها  الثائر محمد الماغوط وهو يصف دورها في حقبة من القرن الماضي  لا الحاضر :

الأول: كان الله في عون هذه الجماهير.

الثاني: تحيا الجماهير.

الأول: تحيا.

الثاني: يعيش الشعب العربي يا…

الأول: يعيش. يعيش. يعيش.

الثاني: تسقط الأحلاف الاستعمارية …

الأول: أرجوك دعنا من هذا الحديث، فربما سمعتنا المخابرات.

الثاني: اطمئن. أنا نفسي من المخابرات. كيف أبدو؟

الأول: سبحان الخالق. ولكن في هذه الساعة المتأخرة من الليل، والشوارع مقفرة، والناس كلهم نيام، من تراقب؟ بزوغ الشمس من الناحية الأمنية!

الثاني: بزوغ أي شيء. وإذا لم أجد ما أراقبه، أراقب نفسي.

الأول: هذه حال لم أسمع بها من قبل.

الثاني: بل هناك حالات كثيرة متشابهة. أنا مثلا أعرف صحفياً إذا لم يجد جهة يقبض منها يقبض من نفسه.

ومطربة تغني أمام المرآة لنفسها وتصرخ بحماس: ما صار. ما صار. وبرلمانيا سابقا يخرج من دورة المياه ويقول: انتهت الجلسة.

الأول: يبدو لي أن أعصابك في غاية الأرهاق .

الثاني: ثلاث ليال لم أعرف طعم النوم.

الأول: من تراقب.

الثاني: لا أعرف.

الأول: لم لا تذهب اذن إلى بيتك وتنام مع زوجتك وأطفالك؟

الثاني: لا أستطيع لأنني أنا أيضاً مراقب.

الأول: يا له من عالم عجيب.

الثاني: نعم يا صديقي، فعندنا لا بد من مخابرات تراقب المخابرات.

ومن طالب لمراقبة الطلاب.

ومن كاتب لمراقبة الكتاب.

ومن سائق لمراقبة الركاب.

ومن سكير لمراقبة السكارى.

ومن قاض لمراقبة القضاة.

ومن محام لمراقبة المحامين.

ومن مهندس لمراقبة المهندسين.

ومن حرفي لمراقبة الحرفيين.

ومن فنان لمراقبة الفنانين.

ومن صحفي لمراقبة الصحفيين.

ومن رياضي لمراقبة الرياضيين.

ومن مسافر لمراقبة المسافرين.

ومن سجين لمراقبة المساجين.

ومن يميني لمراقبة اليمينيين.

ومن يساري لمراقبة اليساريين.

ومن ناصري لمراقبة الناصريين.

ومن وحدوي لمراقبة الوحدويين.

ومن وافد لمراقبة الوافدين.

ومن فدائي لمراقبة الفدائيين.

ومن متفائل لمراقبة المتفائلين.

ومن يائس لمراقبة اليائسين.

ومن بائس لمراقبة البائسين.

ومن متحضر لمراقبة المتحضرين.

بمعنى أن السلطة تراقب الشعب، والشعب يراقب السلطة.

الأول: واسرائيل تراقب الجميع!