عصام سواقد : من ذاكرة شطنا… الآبار والسيح

في شطنا القديمة، لم تكن الآبار مجرد مصادر للماء، بل كانت جزءًا من حياة القرية وذاكرة أهلها. حولها اجتمع الإنسان والحيوان والطيور؛ فالإنسان يجلب الماء، والحيوان يشرب، والطيور تجد موردًا لها.
وكانت آبار شطنا، بحسب ما يتناقله أهلها، على نوعين: آبار قديمة تعود إلى العهد الروماني، وآبار مستحدثة حفرها أبناء شطنا عندما احتاجوا إلى مصادر جديدة للمياه.
وكان هناك رجال متخصصون في حفر الآبار، يعرفون طبيعة الأرض ومواقع المياه، ويقومون بالحفر ثم بتسوية جدران البئر وصقلها، حتى تصبح صالحة لحفظ المياه والاستعمال.
ولم تكن ملكية البئر أمرًا شفهيًا فقط؛ فقد كانت دائرة الأراضي تمنح للبئر سند تسجيل خاصًا، يُثبت ملكيته باسم صاحبه. وكان يُسجَّل للبئر حيز من الأرض حوله على شكل دائرة، وكان أهل شطنا يسمّون هذا الحيز «حكار البير».
وكانت ملكية البئر في بعض الأحيان تعود إلى شخص واحد، وفي أحيان أخرى كان البئر مشتركًا بين عدة أشخاص، فتُسجّل أسماؤهم في سند الملكية بحسب حصصهم.
وهذا يدل على أن البئر كان له شأن خاص في حياة الناس؛ فهو مصدر للماء، وفي الوقت نفسه له ملكية قانونية وحدود وحقوق يعرفها أصحابها وتحفظها سجلات الأراضي.
وكان لكل بئر اسم وحكاية؛ فمنها ما نُسب إلى صاحبه، ومنها ما سُمّي باسم المنطقة، مثل: بير البلان، بير أسعد، بير الجرن، وبير صيته، وهي أسماء توارثها أهل شطنا جيلًا بعد جيل.
وعرف الأهالي أيضًا «السيح»، وهو أكبر وأعمق من البئر العادي، ويوفر كمية أكبر من المياه.
ولأن الماء يجذب الطيور والحيوانات، كانت الآبار والسيح أماكن مناسبة للصيد. وكان الصياد يبني «الخص»، وهو مكان للاختباء، ثم ينتظر بصمت قدوم الطيور.
وهكذا كان البئر أكثر من حفرة في الأرض؛ كان ملتقى للناس والحيوانات والطيور، ومصدرًا للماء، وعنوانًا للمكان، وملكًا له صاحبه وسنده، ومحطة للصيادين.
ورغم أن كثيرًا من أبناء الجيل الجديد قد لا يعرفون مواقع هذه الآبار، فإن أسماءها بقيت شاهدة على زمن كانت فيه الأرض والماء والإنسان جزءًا من حكاية واحدة.
ودمتم بخير


















