+
أأ
-

القس سامر عازر : ماذا أراد جلالة الملك أن يقول للعالم عن المسيحية في موطنها الأصلي؟

{title}
بلكي الإخباري

  

القس سامر عازر

 

 

تناول كثيرون خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الحادية والثمانين، من زواياه السياسية والإقليمية والدولية، لما حمله من رسائل واضحة حول فلسطين وغزة والضفة الغربية والقدس، وحول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية القانون الدولي وحقوق الشعوب وصون الأمن والسلام.

 

وقد جاء الخطاب في أعلى منبر دولي يفترض أنه أُنشئ ليكون مساحة تلتقي فيها شعوب العالم ودوله، للتعبير عن قضاياها وتطلعاتها، وللبحث عن سبل بناء عالم أكثر أمنًا وعدالةً وإنسانية.

لكن ما يهمني في هذه المقالة ليس قراءة الخطاب من زاويته السياسية فحسب، بل التوقف عند رسالة أراها شديدة الأهمية، وربما تحتاج إلى أن نتأملها أكثر: ماذا أراد جلالة الملك أن يقول للعالم عندما تحدث بوضوح عن حماية المسيحية ومجتمعاتها وتراثها في أرضها الأصلية والتاريخية؟

 

لقد قال جلالته بوضوح إن الأردن يعمل على حماية المسيحية ومجتمعاتها وتراثها في أرضها الأصلية والتاريخية، ثم أكد استمرار الأردن في حماية الوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وهذه ليست عبارة عابرة في خطاب سياسي هام، بل تحمل في مضمونها رسالة تاريخية وحضارية وروحية تستحق أن نتوقف أمامها.

 

فالمسيحية، قبل أن تصبح ديانة عالمية تنتشر في القارات الخمس، كانت في الأصل مسيحية هذه الأرض. هنا وُلدت، وهنا عاش السيد المسيح، وهنا كانت البشارة، وهنا تمّت أحداث الصليب والقيامة، وهنا تعمّد السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، ومن هذه الجغرافيا المقدسة خرجت البشارة إلى العالم.

 

إن جغرافيا الكتاب المقدس ليست جغرافيا بعيدة أو مجهولة، بل هي جغرافيا المشرق العربي، بلادنا المقدسة، وهي الأرض التي شهدت الأحداث المؤسسة للإيمان المسيحي، ومنها انطلقت الرسالة إلى الأمم والشعوب حتى أصبحت المسيحية اليوم ديانة عالمية يتبعها أكثر من ملياري إنسان في مختلف أنحاء العالم.

 

ومن هنا، فإن أهمية ما قاله جلالة الملك تكمن في أنه أعاد تذكير العالم بحقيقة قد تغيب أحيانًا وسط التحولات السياسية والصراعات والحروب: أن المسيحية ليست ضيفًا طارئًا على هذه الأرض، وليست ظاهرة مستوردة إليها من الغرب، بل هي ابنة هذه الأرض، وولدت من رحمها، وتجذرت في ترابها، وحملت رسالتها منها إلى العالم. وهنا تتضح أهمية تعبير جلالة الملك عن «الأرض الأصلية والتاريخية» للمسيحية.

 

فما تعرض له المسيحيون في المشرق، وما زالوا يتعرضون له بدرجات مختلفة، نتيجة الحروب والصراعات والنزاعات السياسية، وعدم الاستقرار، وتصاعد التطرف والإرهاب، والهجرة القسرية والاقتصادية، أدى إلى تراجع ملموس في أعداد المسيحيين في مناطق عديدة من موطنهم التاريخي. ولذلك فإن حماية الوجود المسيحي ليست مجرد حماية لجماعة دينية، بل هي أيضًا حماية لذاكرة المكان، ولتاريخ المنطقة، وللهوية الحضارية للأرض المقدسة.

 

فعندما نحمي الكنيسة، لا نحمي حجارةً فقط؛ وعندما نحمي الدير، لا نحمي بناءً أثريًا فحسب؛ وعندما نحافظ على وجود المسيحيين في القدس والأردن وفلسطين وبلاد الشام، فإننا نحافظ على جزء أصيل من ذاكرة هذه الأرض ورسالتها وتاريخها.

 

المسيحية المشرقية ليست مجرد فصل من الماضي، بل هي حضور حيّ ينبغي أن يبقى جزءًا من مستقبل هذه المنطقة.

ومن هنا، فإن الرسالة التي يمكن أن نفهمها من خطاب جلالة الملك هي أن العالم لا ينبغي أن يتعامل مع تراجع المسيحية في موطنها التاريخي باعتباره أمرًا طبيعيًا لا يمكن تغييره، أو نتيجة حتمية للصراعات التي تعصف بالمنطقة. بل إن بقاء المسيحيين في أرضهم، وصون حقوقهم وكرامتهم وحضورهم، هو مسؤولية إنسانية وحضارية، تمامًا كما أن حماية المقدسات المسيحية والإسلامية هي مسؤولية تتجاوز حدود أتباع كل دين، لأنها ترتبط بتراث إنساني عالمي.

 

ومن بيئتنا المشرقية، ومن جغرافيا الكتاب المقدس، يمكن أيضًا أن نفهم النصوص المقدسة في سياقاتها التاريخية والجغرافية والحضارية. فالأرض ليست مجرد خلفية للأحداث الكتابية؛ إنها جزء من الذاكرة الحية للإيمان. ومن هنا بقيت القدس والأردن وفلسطين وبلاد الشام حاضرة في الوعي المسيحي العالمي، لأن فيها آثار الخطوات الأولى للإيمان المسيحي.

 

ولذلك، فإن الحفاظ على المسيحية في المشرق ليس خدمة للمسيحيين وحدهم، بل هو خدمة للإنسانية جمعاء؛ لأن هذه المجتمعات المسيحية حملت عبر القرون تراثًا دينيًا وثقافيًا وروحيا وتعليميًا واجتماعيًا، وأسهمت في بناء مجتمعاتها، وفي الحوار بين الأديان والثقافات، وفي الحفاظ على كثير من المواقع والأماكن المرتبطة بتاريخ المسيحية. وهنا نصل إلى البعد الأردني في هذه الرسالة.

 

إن الأردن، بحكم موقعه في قلب الأرض المقدسة، وبما يحتضنه من مواقع مرتبطة بالتاريخ الكتابي والمسيحي، يحمل مسؤولية خاصة في المحافظة على هذا الإرث. كما أن الإرث الهاشمي في رعاية المقدسات، والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، يمثلان جزءًا أساسيًا من الدور الذي يضطلع به الأردن في حماية هوية المدينة المقدسة وتراثها الديني والتاريخي.

 

ولذلك فإن حماية المقدسات ليست مسألة حجر أو بناء أو موقع أثري فحسب، بل هي حماية للذاكرة الروحية للإنسانية، وحماية لحرية العبادة، واحترام للتعدد الديني، وترسيخ لمبدأ أن المقدسات لا ينبغي أن تكون سببًا للصراع والاقتتال، بل يمكن أن تكون جسرًا للسلام والتفاهم والتقارب بين الشعوب.

 

وهنا تكمن قيمة النموذج الأردني الذي يؤكد عليه جلالة الملك: نموذج يقوم على الاعتدال والانفتاح والحوار وقبول الآخر، وعلى أن الإسلام والمسيحية ليسا في مواجهة بعضهما البعض، وأن الصراع السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع ديني.

ولعل هذه النقطة من أهم ما أراد جلالته إيصاله إلى العالم عندما تحدث عن حماية المسيحية ومجتمعاتها وتراثها في أرضها الأصلية والتاريخية.

 

إنها رسالة تقول للعالم إن حماية المسيحية في المشرق لا تتناقض مع الإسلام، بل يمكن أن تكون جزءًا من صورة الإسلام الذي يؤمن بالتعايش، ويحترم الآخر، ويحمي حقه في الوجود والعبادة والكرامة.

وهذا هو المعنى الأعمق للوئام الديني والعيش المشترك.

فالمجتمع الذي يحمي كنائسه لا يضعف، والمجتمع الذي يحترم مساجده لا يخسر، والمجتمع الذي يصون دور العبادة لجميع أبنائه لا يتراجع، بل يرتقي إلى مستوى أعمق من الإنسانية.

إننا لا نريد شرقًا أوسط بلا مسيحيين، كما لا نريد شرقًا أوسط بلا مسلمين، ولا شرقًا أوسط تُقصى منه أي جماعة دينية أو عرقية أو ثقافية. نريد شرقًا أوسط يتسع للجميع، لأن الله لم يخلق الإنسان ليكون نسخة واحدة من الآخر، بل خلق التنوع ليكون مصدر غنى وتكامل وتعارف.

 

ولذلك فإن الوجود المسيحي في هذه الأرض ليس منّة من أحد، ولا امتيازًا يمنحه أحد لأحد. إنه حق تاريخي وإنساني، وهو في الوقت نفسه مسؤولية تاريخية تجاه هذه الأرض التي شهدت ولادة المسيحية وانتشار رسالتها.

وهذا ما يجعل الحديث عن حماية المسيحية في موطنها التاريخي حديثًا يتجاوز الطائفة والدين إلى مفهوم أوسع: مفهوم العدالة والكرامة الإنسانية والحرية الدينية وحق الإنسان في أن يعيش في أرضه بأمان وكرامة.

 

ونحن المسيحيين في الأردن نختبر جانبًا من هذا الواقع في حياتنا اليومية، ونعتز بأننا جزء أصيل من المجتمع الأردني، شركاء في الوطن والتاريخ والمصير، لا جالية وافدة ولا أقلية تبحث عن حماية، بل أبناء هذه الأرض، من طينها وترابها، من قمحها وزيتها وزيتونها، من كرومها وتينها ونخيلها، ومن ذاكرتها التي حملت الإيمان عبر الأجيال.

 

فالمسيحي الأردني ليس غريبًا عن الأردن، كما أن المسيحي الفلسطيني ليس غريبًا عن فلسطين، والمسيحي المشرقي ليس غريبًا عن المشرق. إننا من نسيج هذه الأرض، ومن أبنائها الذين ساهموا في بنائها وحفظ ذاكرتها وصناعة حاضرها ومستقبلها.

ومن هنا، فإن الحفاظ على الوجود المسيحي هو مسؤولية تاريخية مقدسة، وليس تفضّلًا أو منّة. وحماية المقدسات هي مسؤولية تجاه التاريخ والحاضر والمستقبل.

 

شكرًا لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على الرسالة التي حملها إلى العالم من على منصة الأمم المتحدة، وعلى تذكير المجتمع الدولي بأن السلام الذي تحتاجه منطقتنا ليس سلامًا سياسيًا فقط، بل هو أيضًا سلام ديني وإنساني وأخلاقي؛ سلام يعيد للإنسان كرامته، وللشعوب حقها، وللمقدسات حرمتها، وللأديان رسالتها الروحية بعيدًا عن التوظيف السياسي والتطرف والكراهية.

 

فالعالم، رغم ما بلغه من تقدم علمي وتكنولوجي ورقمي هائل، ما زال في حاجة إلى القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية. وما لم يترافق التقدم العلمي مع تقدم في الضمير الإنساني، فقد يصبح الإنسان أكثر قدرة على صنع الأشياء، لكنه ليس بالضرورة أكثر قدرة على صناعة السلام.

 

وأخيرًا، نقولها بصدق ومحبة: إن جلالة الملك عبدالله الثاني يمثل في رؤيته وخطابه صورةً مشرقة للإسلام في اعتداله ووسطيته وانفتاحه على الآخر، وفي إيمانه بالحوار بدل الصدام، وبالشراكة بدل العزلة، وبالتعاون بين الشعوب والأمم بدل الانغلاق عليها.

 

وهذه الرسالة الأردنية ليست رسالة سياسية فحسب، بل هي رسالة إنسانية وحضارية وأخلاقية: أن نحمي الإنسان، ونحمي المقدسات، ونحمي التنوع، ونحمي الذاكرة، ونحمي الحق في الاختلاف، حتى يبقى الشرق الأوسط أرضًا تتسع لأبنائها جميعًا.

فالأرض المقدسة لا ينبغي أن تكون أرضًا يُقتلع منها أبناؤها، بل أرضًا يعود إليها السلام.

 

والقدس لا ينبغي أن تكون عنوانًا للصراع بين الأديان، بل يمكن أن تصبح، إذا سادت العدالة، مكانًا تلتقي فيه الأديان حول كرامة الإنسان وسلامه.

 

والمسيحية في موطنها الأصلي لا ينبغي أن تتحول إلى ذكرى في كتب التاريخ، بل ينبغي أن تبقى إيمانًا حيًا، ووجودًا حيًا، ورسالة محبة وسلام في الأرض التي انطلقت منها إلى العالم.

 

فليحفظ الله الأردن، وقيادته الهاشمية، وأرضنا المقدسة، ولنجعل من تنوعنا مصدر قوة، ومن إيماننا جسرًا للمحبة، ومن القدس والأرض المقدسة منارةً للسلام والعدالة والكرامة الإنسانية