+
أأ
-

قبضة اسواق السندات تضيق على حكومات اوروبا وتجبرها على التقشف

{title}
بلكي الإخباري

تجد الحكومات الاوروبية نفسها اليوم تحت ضغط مالي غير مسبوق في ظل تصاعد تكاليف الاقتراض لمستويات قياسية لم تشهدها القارة منذ عقود. هذا الواقع الجديد دفع دولا كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وايطاليا للبدء في مراجعة سياساتها المالية بشكل عاجل والتوجه نحو تقليص خطط الانفاق العام لضبط العجز. وتأتي هذه الخطوات وسط حالة من الترقب في الاسواق المالية تحسبا لاي اضطرابات قد تعيد ذكريات ازمات الديون السيادية في منطقة اليورو.

واظهرت مؤشرات حديثة استجابة الحكومات لهذه الضغوط المتزايدة من قبل المستثمرين بعد ان ادى ارتفاع عوائد السندات الى تضخم فاتورة خدمة الدين العام. واضاف خبراء اقتصاديون ان تصاعد توقعات التضخم المرتبطة بازمات الطاقة العالمية قد ساهم بشكل مباشر في تعقيد المشهد المالي امام صناع القرار.

وبين تقرير حديث ان حالة الوعي بالمخاطر المالية اصبحت منتشرة على نطاق واسع ليس فقط بين المسؤولين والفاعلين الاقتصاديين بل امتدت لتشمل المواطنين الذين يتابعون تداعيات هذه الازمات على معيشتهم. واكد محللون ان هذه الضغوط بدات تفرض واقعا جديدا يتطلب مرونة وحذرا في ادارة الموازنات الوطنية.

فرنسا تواجه ارتفاع تكاليف الاقتراض

وسجل الفارق بين عوائد السندات الفرنسية ونظيرتها الالمانية مستويات قياسية هي الاعلى منذ عام 2011 مما يعكس قلق المستثمرين من مخاطر الاحتفاظ بالديون الفرنسية. واضافت الحكومة الفرنسية خطة اصلاحية تستهدف خفض عجز الموازنة من 5.4 بالمئة الى 5 بالمئة بحلول عام 2027 عبر اجراءات تقشفية تصل قيمتها الى 43 مليار يورو.

واوضح وزير المالية الفرنسي ان ضغوط السوق تلعب دورا مساعدا في تعزيز الانضباط المالي للدولة. وشددت زعيمة اليمين المتطرف على ضرورة تجنب اي ازمة مفاجئة في سوق السندات معربة عن استعدادها لدعم سياسات تهدف لضبط الموازنة رغم وجود تحديات في تفاصيل تنفيذ هذه المقترحات.

وكشفت التحليلات المالية ان فرنسا تسعى جاهدة لتطمين الاسواق عبر وعود بخفض العجز بشكل اكبر في السنوات المقبلة في محاولة لاستعادة الثقة المفقودة في قدرة الدولة على ضبط مديونيتها المتفاقمة.

ايطاليا تقلص الاقتراض العسكري

وتشهد ايطاليا ضغوطا مشابهة رغم تسجيلها معدلات عجز اقل مقارنة بفرنسا الا ان ارتفاع الدين العام يظل التحدي الاكبر لروما. واضافت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني توجيهات بتقليص خطط الاقتراض المخصصة للجانب الدفاعي بنحو 8 مليارات يورو في خطوة تعكس مدى تاثر الانفاق السيادي بتكاليف الاقتراض المرتفعة.

وبينت التعديلات الجديدة ان روما ستكتفي بتخصيص انفاق عسكري اضافي يعادل 0.6 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي خلال عامين بدلا من الخطط السابقة التي كانت تستهدف 0.9 بالمئة. واكد المراقبون ان هذا التراجع في الانفاق العسكري يعد مؤشرا قويا على اولوية ضبط الموازنة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

واظهرت هذه القرارات ان الحكومات الاوروبية لم تعد تملك ترف التوسع في الانفاق حتى في الملفات الحساسة كالدفاع والامن في ظل مراقبة دقيقة من اسواق السندات العالمية.

بريطانيا تحت ضغط المستثمرين

وتعاني بريطانيا من ارتفاع عوائد السندات الحكومية لمستويات تاريخية وسط مخاوف مستمرة حول مصداقية السياسات المالية المتبعة. واضافت تقديرات الخبراء ان تكاليف الاقتراض البريطانية تتضمن علاوة مخاطر واضحة مرتبطة بالاضطرابات التي شهدتها الاسواق خلال فترات سياسية سابقة.

واوضحت الحكومة البريطانية نيتها اجراء اصلاحات في نظام المعاشات التقاعدية المعروف بالضمان الثلاثي بهدف السيطرة على الالتزامات المالية المتزايدة. وشدد خبراء على ان وضوح الاثر المالي لهذه الاصلاحات لا يزال يكتنفه الغموض مما يبقي الاسواق في حالة ترقب.

وكشفت الاحداث الاخيرة ان الثقة في السياسة المالية البريطانية باتت ركيزة اساسية لا يمكن التهاون بها لضمان استقرار تكاليف الاقتراض وتجنب اي هزات اقتصادية جديدة.

تحذيرات من البنوك المركزية

وحذر مسؤولون في الاتحاد الاوروبي من خطورة التساهل المالي ورفضوا مطالب بتقديم مرونة اضافية في قواعد الموازنة لدول مثل ايطاليا واليونان. واضاف كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الاوروبي ان على الحكومات ان تدرك ان بيئة اسعار الفائدة قد تغيرت جذريا ولم تعد كما كانت في السابق.

واكد محافظ بنك انجلترا على اهمية تبني سياسات مالية مستقرة تحظى بثقة المستثمرين الدوليين. وبينت وكالات التصنيف السيادي ان الاحزاب المعارضة في دول مثل بولندا واسبانيا بدات تدرك ضرورة طمأنة الاسواق مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

واظهرت المناقشات السياسية استمرار الانقسام حول كيفية معالجة المديونية حيث تطالب بعض الاطراف بمزيد من المساعدات من البنك المركزي بينما يصر اخرون على سياسات تقشفية صارمة.

مخاوف من تكرار ازمات الديون

واعتبر محللون ان تنامي تاثير المستثمرين في القرارات المالية الاوروبية اصبح واقعا لا يمكن تجاهله. واضاف التقرير ان قدرة الاسواق على فرض ضغوط حادة على الحكومات اثبتت فاعليتها في تغيير مسارات السياسة المالية.

وخلصت التحليلات الى ان ارتفاع المديونية يفرض قيودا خانقة على الحكومات في وقت تتصاعد فيه مطالب تمويل الانفاق العام والالتزامات الاجتماعية. واكدت ان الفترة المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا لمدى قدرة القادة الاوروبيين على التوفيق بين متطلبات الداخل وضغوط الاسواق العالمية.