+
أأ
-

طلال البواعنة يكتب …عقول الشباب في مصيدة الذكاء الاصطناعي

{title}
بلكي الإخباري

المناعة الرقمية ورهان الوقاية المستدامة

شهدنا في الآونة الأخيرة نقاشاً وطنياً مكثفاً وزخماً في المقالات والمشاركات حول أهمية تحصين المجتمع فكرياً ضد آفة التطرف، وهي كتابات تحظى بالتقدير والاحترام لما تحمله من حرص على محاصرة هذا الفكر واجتثاثه، إلا أن معظمها ظل محصوراً في إطار المقاربات التقليدية، وانطلاقاً من حقيقة أن معركة الفكر تتطلب دائماً تجديد أدواتنا للتفوق على قوى الإرهاب ومنعها من استباقنا، يأتي هذا المقال كجزء من دراسة أقوم بإعدادها حول "الذكاء الاصطناعي وإرهاب المستقبل"، لتسليط الضوء على زاوية غير تقليدية باتت تشكل جوهر التحديات القادمة.

وفي البداية لابد من التذكير بأن الأردن لا يبدأ من الصفر في حربه ضد التطرف، بل يمتلك تجربة غنية ورصيداً وافراً من المبادرات والجهود المؤسسية والفكرية ومن أبرزها: رسالة عمان 2004 وكلمة سواء 2007 ومنتديات الوسطية وصولاً لجهود تجديد الخطاب الديني ومراجعة المناهج التعليمية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب التجربة بل في التعامل مع التطرف باعتباره خطراً موسمياً يستدعي الاهمام عند وقوع الأزمات، فغياب العمل الإرهابي لا يعني انتهاء الفكر المنتج له. ولذلك المطلوب اليوم ترسيخ مفهوم الوقاية المستدامة، وقراءة التحولات في بيئة الإرهاب.

ولعل ما يزيد المشهد تعقيدًا أننا أمام جيل جديد لم يعايش بوعي كافٍ ذروة الجرائم الإرهابية التي شهدتها المنطقة قبل نحو عقد من الزمن، بعد أن انحسر النشاط الميداني لتنظيم داعش منذ عام 2019، فمن كان في الثانية عشرة من عمره آنذاك أصبح اليوم شابًا في التاسعة عشرة، ومن كان في التاسعة أصبح في السادسة عشرة، وهي مرحلة عمرية تتشكل فيها الهوية والاتجاهات والقناعات، وقد نشأ هذا الجيل في بيئة تحكمها الخوارزميات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومثلما استطاع داعش قبل عدة سنوات استقطاب الاف الشباب بتوظيف ادوات التكنولوجيا المتوفرة في حينه، قد يصبح الجيل الحالي صيداً للجماعات المتطرفة باستخدام التقنيات الذكية. وهنا نسأل بقلق: هل نمتلك أدوات الوقاية اللازمة لحماية هذا الجيل من الوقوع مجددًا في شباك المتطرفين؟

تتطلب الاستدامة الحقيقية إدراكاً حاسماً؛ بـأن محاربة الفكر المتطرف لم تعد مناطة ببرامج الوقاية والتوعية الروتينية فقط. إذ انتقلت المعركة إلى فضاءات جديدة أصبح فيها الجيل الرقمي هدفاً محتملاً عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي وروبوتات المحادثة الذكية (AI Chatbots) كأحد أخطر التهديدات الناشئة.

في هذا الفضاء، لم يعد دُعاة التطرف بحاجة إلى حلقات التجنيد التقليدية أو الخطب المباشرة؛ بل أصبحت الخوارزميات والنماذج اللغوية الموجهة قادرة على التسلل لعقول الشباب بنعومة وتدرج متقمصة دور "المساعد الذكي" أو "الصديق الموثوق". تبدأ باستغلال تساؤلات الشاب وعزلته، ثم تغذية تفكيره بمنظومة متطرفة ومضللة حتى ينساق إلى الانحراف دون أن يشعر بوجود اختراق مباشر فيما يمكن تسميته بالتجنيد الناعم.

وأمام هذا التحول، تصبح إعادة التفكير في أدواتنا الوطنية ضرورة ملحة، من خلال خلق مفهوم المناعة الرقمية ورصد أنماط الاستقطاب الخوارزمي والاستثمار في أدوات ذكية مضادة تجمع بين التحصين التكنولوجي والفكري معاً، وربط الجهود بمؤشرات علمية تقيس مدى استجابة الشباب للمبادرات الوقائية بدلاً من الاكتفاء بإحصائيات الأنشطة وأعدادا المشاركين.

والسؤال هنا: من يقود هذه الجهود؟ لاسيما وأننا نتعامل مع أجيال أصبح بيننا وبينها فجوات معرفية صنعتها الشاشات والهواتف الذكية حتى بات التواصل معدوماً تقريباً بين الأبناء وذويهم داخل الغرفة الواحدة، كما لم تعد الخطابات والندوات وحوارات القنوات الفضائية المطولة تجذب اهتماماتهم وتؤثر في خياراتهم.

وكما أدرك تنظيم داعش الإرهابي هذه الثغرات سابقاً، وتحرك فوراً لملء الفراغ عبر استغلال مواقع التواصل الاجتماعي والدعاية الرقمية ووسائل الاتصال المشرفة لتمرير افكاره المسمومة، فإن دخول عصر الذكاء الاصطناعي سيجعل الأمر أكثر تعقيداً.

ولتعزيز هذه الرؤية، فقد أوردت دراسة ميدنية حديثة لباحثة في جامعة كامبريدج استندت لمقابلات مع 27 منشقاً عن تنظيمات متطرفة شمال نيجيريا، أدعوا فيها أن (بوكو حرام وداعش) أنتقلوا من مجرد الاستخدام العادي لبرامج الذكاء الاصطناعي إلى إنشاء وحدات تقنية متخصصة للتدريب والتغلب على فلاتر الأمان عبر هندسة الأوامر  Jailbreaking، وتوظيف هذه النماذج في حساب حمولات المسيّرات بدقة عالية.

إن التحدي الذي نواجهه اليوم لا يقتصر على منع تكرار الجرائم الإرهابية، بل يمتد إلى حماية عقول الأجيال الجديدة من الوقوع في مصيدة التطرف الرقمي، والمطلوب بناء منظومة وطنية مستدامة للوقاية، تجمع بين الخبرة الأمنية والتربوية والمعرفة التكنولوجية، وتمنح المؤسسات المعنية القدرة على استباق المخاطر بدلًا من انتظار وقوعها، فالمعركة المقبلة قد لا تبدأ بسلاح أو عبوة ناسفة، بل بفكرة مضللة تتسلل إلى عقل شاب عبر شاشة هاتفه، وحين تتحول الفكرة إلى قناعة راسخة، قد تصبح مواجهتها أكثر تعقيدًا وكلفة.