الذكاء الإنساني… صمام أمان المجتمعات وحصن القيم الوطنية

بقلم الدكتورة إخلاص أبو شرخ
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتتسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتعيد تشكيل تفاصيل الحياة الإنسانية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة مركزية الإنسان في معادلة التطور، وترسيخ القيم التي تحفظ للمجتمعات توازنها وهويتها وأمنها. فمهما بلغت التكنولوجيا من تقدم، تبقى بلا معنى حقيقي إن لم يكن الإنسان غايتها، والقيم الإنسانية بوصلتها، والضمير الأخلاقي مرجعيتها.
وإننا تؤمن بأن المستقبل لا يُبنى بالتقدم التقني وحده، وإنما بقدرتنا على الجمع بين المعرفة والمسؤولية، وبين الابتكار والأخلاق، وبين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني الذي يمنح التكنولوجيا بعدها الحضاري والإنساني.
من مأساة الوطن إلى مسؤولية الوعي المجتمعي
وفي ظل الأحداث المؤلمة التي شهدتها المملكة مؤخراً، بالامس من قلب العاصمة عمان ترجل فارس مقدام من فرسان الامن العام غدرا على يد اجرامية قذرة ليسطر بدمائه الزكية ملحمة شامخة في الفداء عن ثرى الوطن وتتجدد جراح الوفاء لتستحضر الكرك الابية ذكراها العظيمة حين طالت يد التطرف الغاشمة ثلة بريئة من اخواننا المسيحيين ، ان هذه الجرائم النكراء تتغذى من مستنقعات التفكك الاسري والانفلات الرقمي عبر الاستخدام المظلم للتكنولوجيا مما يتطلب منا جميعا مواجهة هذا التطرف بوعي مجتمعي حصين وتكاتف اسري متين ورقابة رقمية واعية تستأصل الفكر المنحرف من جذوره ليبقى الاردن حصنا منيعا لا ينال .
وستظل وحدتنا الوطنية صخرة صلبة تتكسر عليها اطماع الفتنة.
حيث تتجدد أمامنا حقيقة راسخة، مفادها أن التطرف ليس مجرد سلوك فردي منحرف، بل خطر يهدد النسيج المجتمعي، ويستهدف أمن الإنسان وحقه في الحياة والكرامة والاختلاف.
إن استهداف رجال الأمن والمواطنين، أياً كانت خلفياتهم الدينية أو الثقافية، يمثل اعتداءً على الوطن بأسره، وعلى منظومة القيم التي قامت عليها الدولة الأردنية، وفي مقدمتها التسامح والتعايش والوحدة الوطنية واحترام كرامة الإنسان.
ولا يمكن النظر إلى هذه الظواهر بمعزل عن التحديات الاجتماعية والتربوية والرقمية التي تواجه مجتمعاتنا، وفي مقدمتها التفكك الأسري، وضعف الحوار، وغياب الوعي في التعامل مع الفضاء الإلكتروني، واستغلال المنصات الرقمية لنشر الأفكار المتطرفة وخطاب الكراهية والتضليل.
ومن هنا، تصبح مسؤوليتنا جماعية؛ تبدأ من الأسرة، وتمر بالمؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية ، ولا تنتهي عند المؤسسات الدينية والوطنية ومؤسسات المجتمع المدني. فمواجهة التطرف لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تحتاج أيضاً إلى بناء إنسان يمتلك الوعي والنقد والمسؤولية، وإلى بيئة مجتمعية تحصّن أبناءها من الانجراف خلف الأفكار الهدامة.
«جنسيتي إنسان»…
الإنسان أولاً والاختلاف مصدر ثراء
وانطلاقاً من هذه الرؤية، يواصل المجلس الدولي «جنسيتي إنسان» أداء رسالته القائمة على إيمان راسخ بأن الإنسان هو القيمة الأسمى، وأن الجنسية أو الدين أو اللغة أو الثقافة لا يمكن أن تكون مقياساً لكرامة الإنسان أو حقه في الاحترام والحياة الكريمة.
فالمجلس، منذ انطلاق رسالته، يتبنى مفهوماً إنسانياً يتجاوز الحدود الجغرافية والهويات الضيقة، ويؤكد أن التنوع بين الشعوب والثقافات ليس سبباً للصراع، بل فرصة للتكامل والتعارف وبناء مجتمعات أكثر تسامحاً واستقراراً.
وتتمثل مسؤولية المجلس في نشر ثقافة السلام والتسامح وقبول الآخر، وتعزيز الحوار الحضاري، وبناء جسور التواصل بين الشعوب، ومناهضة التمييز والكراهية والإقصاء، إلى جانب الإسهام في رفع مستوى الوعي المجتمعي، ولا سيما لدى الأجيال الشابة، بأهمية الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا والمنصات الرقمية.
ومن هذا المنطلق، فإن رسالة جنسيتي إنسان تتقاطع بصورة مباشرة مع تطلعات مجتمعنا بالإصلاح للأفضل وينطلق من حقيقة أن بناء المستقبل لا يتوقف على امتلاك الأدوات والمعرفة، بل على امتلاك الوعي الذي يحدد كيفية توظيفها، والضمير الذي يمنع تحويلها إلى وسائل للإضرار بالإنسان أو تهديد المجتمعات.
الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ذكاء إنساني يوجّهه وإن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكمن في قدرة الآلة على التفكير والتحليل وسرعة معالجة المعلومات، بل في قدرة الإنسان على توجيه هذه الإمكانات ضمن إطار أخلاقي يحمي الخصوصية، ويحترم التنوع، ويصون الحقوق، ويمنع توظيف التكنولوجيا في التحريض والتضليل والتطرف.
فالتكنولوجيا التي تستطيع تقريب المسافات بين الشعوب، ينبغي أن تكون جسراً للتفاهم لا منصة للانقسام، وأداة لنشر المعرفة لا وسيلة لترويج الكراهية، ومساحة لتعزيز الحوار لا بيئة لاحتضان الفكر المتطرف.
وهنا تتجلى أهمية الذكاء الإنساني باعتباره منظومة من الوعي والتعاطف والحكمة والمسؤولية الأخلاقية، وهي عناصر لا غنى عنها لضمان أن يبقى التطور التقني في خدمة الإنسان، لا أن يتحول إلى خطر يهدد أمنه واستقراره وقيمه.
كما أن الاستثمار في التربية الإنسانية، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ ثقافة الحوار، وتمكين الأسرة من أداء دورها التربوي، وتطوير الوعي الرقمي، أصبحت جميعها أولويات لا تقل أهمية عن الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار.
الأردن… نموذج في التعايش والوحدة الوطنية
وفي الأردن، حيث شكّل التنوع الديني والثقافي والاجتماعي على الدوام أحد ملامح الهوية الوطنية، تبقى الوحدة الوطنية ركيزة أساسية من ركائز قوة الدولة ومنعتها. فقد أثبت الأردنيون عبر تاريخهم أن المواطنة الحقيقية لا تُقاس بالاختلافات، بل بالانتماء والولاء والعمل المشترك من أجل الوطن.
وستظل وحدتنا الوطنية صخرة صلبة تتحطم عليها كل محاولات الفتنة والانقسام، وسيبقى الأردن، بقيادته ومؤسساته وأبنائه، نموذجاً في التآخي والتسامح والعيش المشترك.
إن حماية هذا النموذج مسؤولية وطنية وأخلاقية تتطلب منا جميعاً تعزيز خطاب الاعتدال، ومواجهة خطاب الكراهية، وتحصين الأجيال القادمة من الفكر المتطرف، وترسيخ ثقافة تحترم الإنسان وتصون كرامته، أياً كان انتماؤه أو معتقده.
نحو مستقبل أكثر إنسانية.
ومن موقعنا في المجلس الدولي ولا بد ان نؤكد أن رسالتنا ستظل قائمة على نشر ثقافة السلام، وتعزيز قيم التسامح والتعايش، والدفاع عن كرامة الإنسان، والعمل على تحويل الاختلاف إلى مساحة للتعارف والتكامل، والتكنولوجيا إلى وسيلة لبناء جسور المحبة والتفاهم بين الشعوب.
فالذكاء الاصطناعي قد يصنع أدوات المستقبل، لكن الذكاء الإنساني هو الذي يمنح هذا المستقبل معناه واتجاهه.
حفظ الله الأردن آمناً مستقراً، ورحم شهداء الوطن، وحمى أبناءه من كل سوء، وجعل وطننا واحة أمن وسلام وتآخٍ، ونسأل الله أن يسود الخير والمحبة بين جميع البشر.
بقلم الدكتورة إخلاص أبو شرخ
















