م. سعيد بهاء المصري :- الأردن بعد ثمانين عامًا: عندما يصبح الاستقلال معنىً للوجود لا مجرد تاريخ

ثمانون عامًا من الاستقلال ليست مجرد رقم في عمر الدول، بل هي لحظة مراجعة كبرى لسؤال الهوية والمعنى والدور. فالأردن الذي أعلن استقلاله عام 1946 لم يكن مجرد كيان سياسي خرج من عباءة الانتداب، بل مشروع دولة تشكّل تدريجيًا فوق أرض تختزن آلاف السنين من التاريخ والجغرافيا والتحولات الحضارية.
وربما آن الأوان اليوم، في الذكرى الثمانين للاستقلال، لأن ينتج الأردن سرديته الوطنية المتكاملة؛ لا كسردية دعائية عابرة، بل كرواية تاريخية–حضارية–سياسية تفسّر للأردنيين وللعالم: من نحن؟ وكيف قامت هذه الدولة؟ ولماذا استمرت رغم كل العواصف التي اجتاحت الإقليم؟
فالأردن لم يبدأ مع الإمارة فقط، ولم يولد من فراغ جغرافي أو سياسي. هذه الأرض كانت عبر التاريخ جزءًا من قلب المشرق العربي والحضاري. فوق هذه الجغرافيا تعاقبت حضارات الأدوميين والمؤابيين والعمونيين والأنباط، ثم الرومان والبيزنطيون، ثم جاءت الحضارة الإسلامية التي جعلت من أرض الأردن جزءًا من مركز القرار الحضاري والديني والسياسي في المنطقة، خصوصًا خلال العصر الأموي. ثم مرّت عليها تحولات الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، قبل أن تدخل القرن العشرين محمّلة بإرث طويل من التفاعل الحضاري والإنساني.
ولهذا فإن السردية الأردنية لا يمكن أن تُختزل في حدود الدولة الحديثة فقط، بل يجب أن تنطلق من فكرة الاستمرارية الحضارية؛ أي أن الأردن ليس “دولة طارئة” في التاريخ، بل امتداد جغرافي وسياسي لمسار طويل من التحولات الإنسانية في قلب المشرق.
وفي الوقت ذاته، فإن الجغرافيا الأردنية لم تكن يومًا جغرافيا هامشية. فمنذ آلاف السنين كانت هذه الأرض معبرًا للقوافل والجيوش والأفكار والتجارة، تربط الجزيرة العربية ببلاد الشام والعراق ومصر. واليوم، تعود هذه الوظيفة التاريخية بأدوات جديدة: ممرات اقتصادية، شبكات طاقة، خطوط بيانات، لوجستيات، وربط إقليمي متعدد الطبقات. وكأن التاريخ يعيد إنتاج وظيفة الأردن القديمة بلغة القرن الحادي والعشرين.
ثم جاءت الثورة العربية الكبرى لتمنح هذه الجغرافيا بعدًا سياسيًا جديدًا. فالسردية الأردنية الحديثة لا تنفصل عن المشروع الهاشمي الذي حاول منذ بداياته بناء دولة عربية تقوم على الاعتدال والتوازن والانفتاح واحترام التعدد. ومن هنا، فإن الهاشميين في الوعي الأردني ليسوا مجرد سلطة حكم، بل جزء من فلسفة تأسيس الدولة نفسها: دولة تحاول التوفيق بين الأصالة والحداثة، وبين الهوية العربية والانفتاح العالمي، وبين الاستقرار والإصلاح التدريجي.
لكن ما يمنح التجربة الأردنية خصوصيتها الحقيقية ليس فقط شرعية التأسيس، بل قدرة الدولة على البقاء والاستمرار في واحدة من أكثر البيئات اضطرابًا في العالم.
فالأردن دولة محدودة الموارد، محاطة بالصراعات والحروب والتقلبات، ومع ذلك استطاعت خلال ثمانية عقود أن تبني مؤسساتها، وتحافظ على تماسكها، وتتجنب الانهيارات الكبرى التي أصابت دولًا أكثر ثراءً وأكبر مساحة وأكثر سكانًا.
لقد واجه الأردن حروب 1948 و1967، واستقبل موجات لجوء فلسطينية ثم عراقية ثم سورية، وتعامل مع الإرهاب والأزمات الاقتصادية والاضطرابات الإقليمية، لكنه استمر في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي والاجتماعي. وهنا تتشكل إحدى أهم ركائز السردية الأردنية: “دولة الصمود”.
غير أن هذا الصمود لم يكن قائمًا على الثروة النفطية أو الفوائض المالية الضخمة، بل على الإنسان الأردني ذاته؛ على التعليم، والمؤسسة العسكرية، والإدارة العامة، والقدرة المجتمعية على التكيّف مع الأزمات. ولهذا فإن الجيش العربي، والمعلم، والطبيب، والموظف العام، والمغترب الأردني، جميعهم ليسوا مجرد فئات اجتماعية، بل أعمدة في بناء الهوية الوطنية الحديثة.
كما أن خصوصية الأردن لا تكمن فقط في قدرته على حماية نفسه، بل أيضًا في قدرته على احتضان الآخرين. فهذه الدولة الصغيرة تحولت عبر العقود إلى مساحة استيعاب إنساني واجتماعي للفلسطينيين والسوريين والعراقيين والشركس والشيشان والأرمن وغيرهم. ومن هنا، فإن السردية الأردنية ليست سردية نقاء عرقي أو انغلاق هوياتي، بل سردية مجتمع استطاع إدارة التنوع دون أن يفقد تماسك الدولة.
لكن أي سردية وطنية حقيقية لا يمكن أن تبقى سجينة الماضي أو أن تتحول إلى خطاب احتفالي جامد. فالسؤال الأهم اليوم ليس فقط: كيف صمد الأردن؟ بل: إلى أين يجب أن يذهب الأردن؟
هنا تبدأ الحاجة إلى “السردية المستقبلية الأردنية”.
فالعالم يتغير بسرعة هائلة بفعل الذكاء الاصطناعي، والتحولات الاقتصادية، وصراعات الطاقة، والممرات التجارية الجديدة، والحروب الرقمية والمعرفية. والأردن لم يعد يستطيع الاكتفاء بدور الدولة التي تنجو من الأزمات، بل يحتاج إلى الانتقال نحو دور الدولة التي تنتج قيمة مضافة في الاقتصاد العالمي الجديد.
ومن هنا، فإن السردية الأردنية الحديثة يجب أن ترى في الأردن:
* مركز ربط إقليمي للطاقة والبيانات والنقل،
* منصة للاقتصاد الرقمي والمعرفي،
* بيئة للاستقرار السياسي المعتدل،
* وجسرًا حضاريًا واقتصاديًا بين الخليج وبلاد الشام والعراق وأوروبا.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون هذه السردية صادقة مع شعبها؛ تعترف بالتحديات بدل إنكارها:
البطالة، الفقر، التفاوت التنموي، تراجع الثقة، هجرة الكفاءات، وضغط التحولات الاقتصادية على الطبقة الوسطى. لأن السردية التي تتحول إلى تمجيد رسمي تفقد قدرتها على الإقناع، بينما السردية الحقيقية هي التي تعترف بالأخطاء، لكنها تؤكد أن مشروع الدولة لا يزال قابلًا للحياة والتجدد.
ولذلك فإن بناء السردية الأردنية اليوم لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وثقافية وسياسية. فهي تحتاج إلى مشروع متكامل:
في التعليم،
والإعلام،
والدراما،
والسينما،
والبحث الأكاديمي،
والأرشفة الوطنية،
وإعادة قراءة التاريخ الأردني بعيدًا عن الاختزال والشعارات.
لأن الدول التي لا تنتج روايتها بنفسها…
تُنتَج روايتها عنها من الآخرين.
وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، ربما يكون السؤال الأعمق الذي يواجه الأردن ليس فقط كيف حافظ على وجوده طوال ثمانية عقود، بل كيف يحوّل هذا الوجود إلى مشروع حضاري حديث يمتلك معنى ورسالة ودورًا في عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة.
بقلم: المهندس سعيد بهاء المصري



















