الأب عماد الطوال يكتب : أثر العلمانية على الحركة الكشفية

الأب عماد الطوال – ماركا الشمالية
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والاجتماعية، تواجه الحركة الكشفية تحديًا عميقًا يتجاوز الأساليب والبرامج، ليصل إلى سؤال أساسي، كيف نحافظ على البعد الروحي في حياة الشباب في عالم تتغيّر فيه نظرة الإنسان إلى الإيمان والمعنى والانتماء؟
فالعلمانية، بوصفها ظاهرة ثقافية تنتشر بين فئات واسعة من الشباب في مجتمعات مختلفة، أسهمت في إضعاف حضور البعد الروحي في حياة كثيرين، وجعلت الإيمان عند البعض أقرب إلى ممارسة اجتماعية منه إلى خبرة شخصية حيّة، وهذا ما يترك لدى العديد من الشباب حالة من البحث والتساؤل حول المعنى والهوية والانتماء.
هذا ما طُرح خلال لقاء المرشدين الروحيين من الشرق الأوسط وأوروبا في سلوفينيا الشهر الماضي، والذي نظمه مكتب الكشاف والمرشدات الكاثوليك ICCS/ICCG، حيث برزت دعوة جدية لإعادة التفكير في أساليب التربية الروحية الموجّهة للشباب اليوم، بعيدًا عن الطرق التقليدية الجامدة. وقد عكست النقاشات حجم التحديات التي تواجه العمل الكشفي في ظل التحولات الفكرية والثقافية المتسارعة، خاصة في ما يتعلق بعلاقة الشباب بالإيمان والهوية الروحية.
وفي هذا السياق استُحضر فكر البابا الراحل بنديكتوس السادس عشر، الذي أكّد أن مسيرة الله نحو الإنسان لا تُلغي بحث الإنسان عن الله، بل تُنيره وتعطيه المعنى، فالشباب اليوم لا يعانون من نقص المعلومات الدينية بقدر ما يحتاجون إلى من يساعدهم على اكتشاف أن هذا البحث الداخلي هو بداية الطريق.
وقد رصد المشاركون ثلاثة آثار رئيسية للعلمانية على الحركة الكشفية أولها ضبابية مفهوم "الواجب نحو الله"، وثانيها تراجع البعد الروحي لصالح روحانية فردية لا تتجاوز حدود الذات، وأخيرًا تردد بعض القادة في التعبير عن هويتهم الإيمانية.
وفي مواجهة هذه التحديات أكّد اللقاء أن الحل لا يكون بالانغلاق أو الدخول في مواجهة مع الواقع بل من خلال الشهادة الحية، أن يكون القائد الكشفي مثالًا في الخدمة والمحبة والالتزام، وأن يترجم القيم التي يؤمن بها في حياته اليومية قبل كلماته، فالأخوّة والحوار واللاعنف ليست مجرد شعارات بل ممارسات تُعاش داخل التجربة الكشفية، كما شدّد المشاركون على أهمية تطوير الأساليب التربوية بما يواكب لغة الشباب وواقعهم الثقافي والرقمي المتغيّر.
ومن المواقف التي جرى استحضارها خلال اللقاء، ما قيل في المخيم الكشفي العالمي في كوريا حين توجّه أحد المشاركين البوذيين إلى الكشافة بالقول "أنتم من يجب أن يتكلم، فالكشافة يعرفون كيف يعتنون بالجميع" وهي كلمات بسيطة لكنها عبّرت عن أثر القيم الكشفية عندما تُعاش بصدق في الحياة اليومية.
فالتربية الحقيقية لا تقوم على فرض الأفكار بل على تنمية الوعي وبناء الإنسان، والإيمان لا يُنقل بالإلزام بل من خلال القدوة والخبرة الصادقة.
وقد خرجنا من هذا اللقاء يقناعة راسخة أن الحركة الكشفية مدعوّة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن تكون مساحة لقاء وخدمة وتربية صادقة تساعد الشباب على اكتشاف معنى الإيمان ودوره في بناء الإنسان والمجتمع.



















