غسان الشواهين يكتب : من جرعة جبن إلى جرعة خاوة: سيرة انهيار إمبراطوريات البلطجة*

بقلم: غسان الشواهين
كانوا فتوّات الحي. تمشي عضلاتهم قبل أقدامهم، وخناجرهم لا تُشهر إلا بوجه غاز أو ظالم. لم يكن الزقرتي موظفا ينتظر راتبا، بل كان درعا بشريا، ينام وأهل حارته آمنون. كانوا من لحمنا ودمنا، حدادين ونجارين وتجارا، سلاحهم الأبيض كان بياض قلوبهم، لا سواد أفعالهم.
ثم انقلبت الموازين. صدأ السيف الشريف، وتحول إلى خنجر مسموم في خاصرة المجتمع. لم يعد الزقرتي يحمي، بل أصبح الزعران يبتز. لم تعد البطولة في رد العدوان، بل في فرض الخاوات والإتاوات. صاروا ذئابا تنهش لحم الضعيف، وتقايض التاجر على رزقه، وتحولت المطاعم والأسواق إلى ساحات استعراض للقوة، لا لطلب الرزق.
وهنا بيت القصيد: المخدرات. هي المعادلة الشيطانية التي أنجبتهم. هي الخطوة الأولى والأخيرة في صناعة الزعرنة. لأن هؤلاء في جوهرهم ليسوا شجعانا، بل يغلب عليهم طابع الجبن والمرض النفسي والشعور العميق بالنقص. إنسان مهزوم من الداخل، يبحث عن قناع. والمخدرات هي قناعه. الحبة والسيجارة المسمومة توهمه أنه أسد، تغطي على ارتعاش يديه، وتمنحه جرأة وهمية ليرفع السلاح ويفرض الخاوة ويرتكب الجريمة. المخدرات تصنع من الجبان وحشا، ومن المريض النفسي سفاحا. تبدأ الحكاية بجرعة... وتنتهي بجريمة.
الأخطر من ذلك: لم يعودوا أفرادا. نسجوا شبكة عنكبوتية سوداء، لها رأس ومال وأنابيب. كل رئيس حي يدير إمبراطورية ظل: أنابيب المخدرات التي تصنع جنوده تضخ السم في عروق الشباب، وتجارة السلاح تشعل الفتنة، وعصابات النشل والسرقة تموّل الوكر، وكل ذلك تحت مظلة واحدة: جباية الخاوات بالقوة والترهيب.
وهنا يدق ناقوس الخطر في كل بيت. يا أبناء الأردن، يا آباء وأمهات: المعركة اليوم ليست على الحدود، بل داخل غرف أبنائكم. المروج لا يطرق الباب بسلاح، بل بكلمة معسولة ووعد بالمال السريع والرجولة الزائفة. يتصيدون المراهقين في زوايا المدارس، وعلى أرصفة المقاهي، وفي ظلمة الليل. راقبوا عيون أبنائكم قبل جيوبهم. اسألوا عن الرفيق قبل الطريق. فالفراغ الذي تتركونه اليوم، يملؤه شيطان الخاوة والمخدر غدا. الحزم ليس قسوة، والحوار ليس ضعفا. كونوا أنتم جدار الحماية الأول، قبل أن ينهار السقف على الجميع.
لكن ماذا لو قرر المواطن أن يكسر جدار الصمت؟ هنا يبرز وحش آخر: القانون الذي أتقنوه. فارضو الخاوات اليوم ضليعون بالقانون أكثر من بعض دارسيه. يصنعون من ثغراته دروعا. يشتكي عليهم المظلوم، فيشهرون بوجهه شكوى كيدية مضادة: اعتداء، تهديد، تشهير. وفي لحظة، يصبح الشاكي والمشتكى عليه في قفص واحد، والنار تحرقهما معا. الرسالة واضحة: اشتكي... لتسجن معي. هذه الثغرة الخبيثة هي سيفهم المسلول على رقاب الناس، وهي التي يجب أن يكسرها المشرع بقبضة من حديد. فحماية المبلغ الشجاع أولى من حماية المجرم الجبان المتعاطي.
غير أن الدولة الأردنية، بقيادتها وجيشها وأجهزتها الأمنية، فهمت المعادلة من أساسها: اقطع رأس الأفعى، تجف سمومها. فجاء القرار كالصاعقة: لا حصانة لبلطجي ولا لتاجر سموم. تحرك الحكام الإداريون كتيبة واحدة مع نشامى الأمن العام ومكافحة المخدرات، وبدأت أكبر عملية كنس في تاريخ مكافحة البلطجة. التوقيف الإداري لم يعد حبرا على ورق، بل أصبح سيفا مسلطا على رقاب فارضي الخاوات والإتاوات ومروجي السموم. داهمت القوة أوكارهم، واقتادت كبار الكار من مقاهيهم التي كانت تغلي بالمؤامرات والمخدرات إلى زنازين يبرد فيها دمهم.
لم تكن ضربة واحدة وانتهى الأمر. إنها حرب استنزاف على مصدر الجرأة الزائفة. عيون الأمن لا تنام، ترصد، تتعقب، وتجفف المستنقع. أموال الخاوات التي كانت تمول إمبراطورياتهم وتشتري لهم المخدرات صودرت. الرشاشات التي استبدلوا بها خناجر الأجداد كسرت. السيارات الفارهة التي كانت تجوب الشوارع استعراضا للقوة، تقف اليوم محجوزة شاهدة على زمن ولى. حتى اللوبيات التي كانت تبتز الدولة بالتعيينات، قطعت أذرعها.
اليوم، يتنفس التاجر الصعداء. الأسواق التي كانت تدفع ضريبة الخوف عادت حرة. مجمعات الباصات التي كانت ممالك خاصة، عادت للشعب. حتى صناديق الاقتراع لم تعد ترهبها قبضة البلطجي المتعاطي. الرسالة وصلت: الأردن لا يبتز، ولا يحكم إلا بالقانون.
هذه ليست نهاية الرواية، بل بداية فصل جديد. فصل تكتبه الدولة بيد من حديد على تجار السموم، والأسرة بوعي من نور، والمواطن بشجاعة التبليغ عبر هاتف 911 الذي لا ينام. عندما نكسر معادلة المخدرات تساوي الجرأة، يسقط وكر الخاوة إلى الأبد.
الأردن أقوى. لأن رجاله أقوى. والقانون إذا تكلم، أسكت كل الأصوات النشاز.



















