الدكتورة ريما الشهوان تكتب : نحن لا نشبه صلواتنا

بقلم الدكتورة ريما الشهوان
بين حركة الجسد وسكون الروح، تتسع في زمننا مسافةٌ لا تُقاس بالخطى، بل بغياب المعنى. نحن نُقيم الصلاة قيام العادة، لا قيام اللقاء، نُحسن ترتيب الأفعال، ونُهمل ترتيب القلوب. نقف صفًّا متراصًّا، بينما أرواحنا مصطفّة في أماكن شتّى، وكأن الجسد قد حضر وحده، واستأذن المعنى فانصرف. هكذا تحوّلت الصلاة، في كثير من وجداننا المعاصر، من معراجٍ يرفع الإنسان فوق ثقله، إلى إجراءٍ يوميّ يُؤدّى ثم يُطوى، بلا أثرٍ يُرى ولا رجع صدى يُسمع.
لا يمكن عزل الخلل في الإيمان بمعزل عن التحوّل العميق في علاقة الإنسان بذاته وعلاقته بالعالم. فقد انتقل مركز المعنى من حديث السماء إلى انعزال الذات عنها، ومن الغاية إلى المنفعة، ومن السؤال الوجودي إلى الجواب السريع. فلم يعد الإيمان، في مخيال كثيرين، أفقًا يفسّر الألم والمصير، ويبعث الطمأنينة، بقدر ما أصبح وظيفةً أخلاقية أو طقسًا اجتماعيًا يُحافظ به الفرد على صورة الانتماء. وحين يُنزَع الدين من مقامه الوجودي، ويُختزل في الإجراء، يفقد قدرته على مخاطبة القلق العميق، فيبقى الشكل حاضرًا، ويهاجر الجوهر في صمت.
المأزق، إذن، ليس في الصلاة ذاتها، فهي في جوهرها نداءُ اكتمال، بل في الكيفية التي نطرق بها بابها. لقد استبدلنا دهشة الوقوف بين يدي الله ببرود التكرار، واستأنسنا بالإيقاع حتى غاب الإحساس. فأصبح الإنسان يعيش حالة تشظٍّ داخليٍّ حاد، جسدٌ واقف في محراب، وعقلٌ موزّع بين فواتير الغد، وقلق الرزق، ومطاردة الصورة. هذا التشظّي ليس عارضًا، بل ثمرة إيقاعٍ حضاريٍّ محموم، يطالب الإنسان أن يكون حاضرًا في كل شيء إلا في نفسه، فينشأ ذلك الانفصام البارد بين الفعل وأثره. نُصلّي، لكننا لا نُصغي لما يحدث فينا أثناء الصلاة، لا نفهم أورادها، ولا ننصت لأرواحنا، ولا لما ينبغي أن يحدث بعدها.
الصلاة في أصلها ليست حركاتٍ محفوظة، بل عملية صقلٍ متواصل للمرآة الداخلية، غير أن هذه المرآة تراكم عليها غبار الالتزامات، حتى غدت تعكس وجوهنا فقط، لا أنوار الحق. ففي مجتمعٍ يُغذّي تضخّم الذات، ويكافئ الاستعراض، يصبح التواضع قيمةً مُربكة، ويغدو الخشوع فعلَ مقاومةٍ صامتة. لذلك لا يُنزل الركوع رؤوسًا أُلفت العلوّ، ولا يُعيد السجود نفوسًا نسيت حجمها الحقيقي. أما التشهّد، فإذا لم يَفِض سلامًا في المعاملة، بقي كلامًا جميلاً لا يجد طريقه إلى السلوك.
نحن لا نشبه صلواتنا لأننا ندخلها بذهنية الموظف الذي يخشى التأخير، لا بروح المحب الذي يخاف الفوات. هذه الذهنية لم تنشأ من فراغ، إنها انعكاس لثقافةٍ تقيس كل شيء بالنتيجة السريعة، وتطلب من الإيمان أن يعمل بمنطق السوق، راحة فورية، وطمأنينة جاهزة. وحين لا تُعطي الصلاة ثمارها على هذا النحو الاستهلاكي، ينسحب الإنسان وجدانيًا منها، لا إنكارًا لقدسيتها، بل عجزًا عن الصبر على منطقها التراكميّ، الذي يُعيد بناء الإنسان على مهل. نعدّ الركعات كما يُعدّ الوقت، ونخرج منها بقلوبٍ لم تُغسل بماء الدهشة، بل أُنهكت بآلية الأداء.
لا تغير الصلاة ملامح الروح ساعة الغضب، ولا تُهذّب كبرياء النفس عند ذروة القوة، هي صلاةٌ توقّفت عند الحنجرة، ولم تبلغ شغاف القلب. وهنا تتبدّى أزمة المجتمع مع الدين في صورتها الأعمق، حين يُقدَّم الإيمان بوصفه سلطةً تُراقب لا حضورًا يُربّي، وخطاب امتثال لا تجربة معنى، يبدأ العقل الباطن بالانسحاب، بينما يستمر الجسد في أداء الطقس حفظًا للتوازن الاجتماعي، لا وفاءً للقاء الداخلي.
لا تقاس هنا بلاغة الإيمان بفصاحة الألفاظ، بل بقدرته على إعادة تشكيل الإنسان. حين تكون الصلاة مختبرًا يُفكَّك فيه الغرور قطعةً قطعة، ويُعاد تركيب الإنسان على هيئة التواضع، عندها فقط يصبح للمحراب معنى. المصلي الذي يشبه صلاته هو ذاك الذي إذا رأيته، رأيت في وجهه أثر السجود لا كعلامةٍ جسدية، بل كفيضٍ من السكينة، وإذا سمعته، سمعت في حديثه صدى القراءة لا كمخارجَ مصقولة، بل كصدقٍ يخرج من عمق الحق.
لسنا أمام أفولٍ للإيمان، بل أمام أفولٍ للتجربة الإيمانية الحيّة. الدين لم يغب، لكن الإنسان تغيّر، صار أكثر تشظيًا، أقل صبرًا، وأكثر طلبًا للنتائج. لذلك نحن بحاجة إلى نهضة إيمانية هادئة على الأداء البارد، لا تهدم الشكل، بل تُعيد إليه روحه، وتصل الإيمان بوظيفته الأولى، ترميم المعنى وشفاء الانقسام الداخلي. وإلا ستظل صلواتنا تمضي في وادٍ، ونبقى نحن في وادٍ آخر، غير ذي زرعٍ من النور، نؤدّي العبادة كاملة، ونغادرها ناقصين.



















