ماهر الشريدة يكتب : “الإقطاع الإعلامي الجديد… حين تُحتكر المهنة باسم الخبرة” وترسيخ الاستعباد ..

لم يعد الاستعباد في الإعلام يُمارس بصورته التقليدية أو المباشرة، بل بات يتخذ شكلاً أكثر نعومة وخطورة في آن واحد؛ شكلٌ يقوم على احتكار الفرص، وإعادة تدوير الأسماء ذاتها، وتكريس طبقة محددة تمتلك مفاتيح الظهور والتمثيل والحديث باسم المهنة.
في المشهد الإعلامي الحالي، تتشكل تدريجياً منظومة غير مكتوبة، تتوزع فيها الامتيازات على فئة صغيرة تمكنت من الجمع بين البعثات الدراسية، والشهادات العليا، والمناصب، والظهور الإعلامي المستمر، ومع تراكم هذه العناصر، لم تعد الخبرة مجرد رصيد مهني طبيعي، بل تحولت إلى رأسمال رمزي يُستخدم لتحديد من يحق له أن يتصدر المشهد، ومن يُفترض أن يبقى في الخلفية.
في المقابل، يقف آلاف الإعلاميين العاملين في الميدان، الذين يشكلون البنية الحقيقية للعمل الإعلامي اليومي؛ من تحرير الأخبار، إلى التغطيات الميدانية، وإدارة المحتوى، وبناء المنصات. هؤلاء غالباً ما يُنظر إليهم كطبقة تنفيذية، رغم أنهم العمود الفقري للمهنة، فيما يُحتكر التمثيل والواجهة لدوائر ضيقة تتكرر في كل مناسبة ومنبر.
الأخطر في هذه المعادلة ليس فقط اختلال توزيع الفرص، بل نشوء خطاب تبريري يُعيد إنتاج هذا الاختلال تحت عناوين براقة مثل “الخبرة” و”التأهيل” و”الاستحقاق”. وهي مفاهيم في أصلها إيجابية، لكنها تُستخدم أحياناً كأداة غير مباشرة لإقصاء الآخرين، أو التقليل من قيمة التجربة الميدانية التي لا تقل أهمية عن أي مسار أكاديمي أو تنظيري.
وهكذا، يتحول جزء من المشهد الإعلامي إلى ما يشبه “الإقطاع المهني”، حيث تُغلق الدوائر على نفسها، وتُعاد إنتاج نفس الوجوه، وتُمنح المنصات وفق معايير القرب والتموضع لا وفق معيار الإنتاج الفعلي أو التنوع أو العدالة المهنية.
إن المشكلة لا تكمن في وجود نخبة إعلامية، فهذا أمر طبيعي في أي قطاع مهني. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه النخبة إلى بنية مغلقة، تُعرّف المهنة وفق صورتها الخاصة، وتحتكر التمثيل، وتتعامل مع بقية العاملين باعتبارهم خارج دائرة التأثير، لا شركاء فيها.
الإعلام في جوهره ليس منصة للتمثيل الحصري، بل مساحة متعددة الأصوات والخبرات،.. وعندما يُختزل في طبقة واحدة، يفقد قدرته على التعبير عن المجتمع، ويبتعد تدريجياً عن رسالته الأساسية القائمة على التنوع، والعدالة، وإتاحة الفرص.
ان العدالة المهنية تبدأ من كسر احتكار الواجهة وباترينات الزينة واستمرارية تلميعها بلا فائدة.
#الاعلام ومحبي ال #شقراوات و #الاضاءة



















