د. محمد رسول الطراونة : قلبك قبل سكين الجراح

ليس كل عِلّة في القلب استعارةً شعريةً أو وجعًا عابرًا؛ فهناك عِلّة تهدم الجسد، وتُغيّر خريطة الروح، وتجعل الإنسان يقف على حافة الهاوية. إنها لحظة إعلان الطبيب: «احتشاء عضلة القلب»، ثم كلمات أثقل من الحديد: «لا بد من عملية قلب مفتوح». هنا يتحول القلب من رمز للحزن إلى عضو مريض يحتاج إلى مبضع الجراح أكثر من قصائد الشعراء.
تبدأ الرحلة بنوبة مفاجئة، ألمٌ لا يشبه أي ألم، يضغط على الصدر كالبلاطة، ويمتد إلى الذراع والفك، مع عرق غزير ورهبة الموت. في تلك الثواني، لا تفكر في المال أو المناصب، بل تتذكر أنفاسك الأخيرة. تُنقل إلى الطوارئ، وتُعلق الأسلاك والأنابيب، وقد تُحقن بمذيبات الجلطات، أو قد يُطرح خيار القسطرة العاجلة، لكن القدر يكتب أن طريق الشفاء يمر عبر غرفة العمليات.
يُحلقون صدرك، ويُفتح القفص الصدري، ويُوقف القلب، وتُوصل آلة القلب والرئة الاصطناعية. في تلك الساعات، يكون الجسد بين يدي الخالق، ثم بين يدي جراح القلب، والروح تسبح بين النوم واليقظة، وبين الحياة والموت. إنه اختبار إيماني صارم؛ فقلبك العليل يُخاط بإبرة وخيط، وشرايينك المسدودة تُستبدل بشرايين سليمة من ساقك.
لكن الألم لا ينتهي بالخروج من غرفة العمليات؛ فمرحلة ما بعد الجراحة أشقّ من الجرح نفسه. تستيقظ بشق عميق، وأنابيب تنساب من جسدك، وألم يعتصرك مع كل شهيق. السعال يصبح عدوًا، والضحكة جرحًا جديدًا، والنوم على الجنب حلمًا مستحيلًا. هنا يواجه القلب اختبار الجسد الذي يرفض الحركة، واختبار الروح التي تهاجمها وساوس الخوف من تكرار الجلطة أو ضعف المضخة. غير أن العجب يحدث خلال النقاهة؛ فالقلب العليل يبدأ في استعادة نبضه ببطء، وتصبح كل نبضة هبة، وكل يوم دون ألم معجزة.
وبعد هذه الرحلة، يبرز سؤال: كيف نحافظ على قلوبنا قبل أن تخوننا الشرايين؟ إليك، عزيزي القارئ، سبع وصايا ذهبية.
أولها: احذر ما تأكله، فهو وقود نبضك. قلّل من الدهون المشبعة والمتحولة، وتجنب الأطعمة المصنعة والمقلية، وأكثر من الخظراوات الورقية، والفواكه الغنية بمضادات الأكسدة، والأسماك الدهنية (أوميغا 3)، واستبدل الملح بالتوابل الطبيعية، فالصوديوم الزائد عدو الضغط.
ثانيها: اجعل الحركة عبادة. القلب العليل لا يتحمل الخمول، والسليم يزدهر بالحركة. المشي نصف ساعة يوميًا يكفي، واستعمل الدرج بدل المصعد، فالعضلة القلبية كأي عضلة: إن تُركت ضعفت، وإن دُربت قويت.
ثالثها: أطفئ سيجارة الغضب والتوتر. فالانفعالات العنيفة صواعق خفية. تعلّم التنفس العميق، ومارس التأمل أو الصلاة بخشوع، فهي بلسم للروح. لا تحمل همّ الغد، فالقلق يضيّق الأوعية، والسكينة توسعها.
رابعها: أقلع عن السموم الفتاكة. فالتدخين بجميع أنواعه قاتل صامت للشرايين، وكل سيجارة تمتنع عنها خطوة نجاة. وكذلك الكحول والمخدرات، فهي تدمر العضلة القلبية بلا رحمة.
خامسها: راقب أرقام حياتك. الضغط، والسكر، والكوليسترول هي "الثلاثي القاتل". احرص على الفحص الدوري كل ستة أشهر، ولا تستهن بقراءة مرتفعة، ولو كانت بسيطة؛ فالتصحيح المبكر أسهل من جراحة مفتوحة.
سادسها: احرص على النوم الكافي. فقلة النوم ترفع هرمونات التوتر، وتسهم في التهاب الشرايين. احرص على سبع ساعات من النوم العميق ليلًا، فهو وقت الصيانة الذي يُصلح فيه القلب خلاياه.
أما سابعها: فحافظ على وزنك المثالي. السمنة، خاصة في منطقة البطن، عبء إضافي يجعل القلب يخفق بجهد مضاعف. إنقاص 5% فقط من وزنك يحدث فارقًا هائلًا في مستويات الدهون والضغط.
في الختام، لا تنتظر حتى يصبح قلبك عليلًا لتعرف قيمته. احتفظ به سليمًا، وأطعمه طيبًا، وأسعده هدوءًا، واحمه بالرياضة، وراقبه بالفحوصات. القلب السليم ليس مجرد عضو يخفق، بل هو مفتاح حياة مديدة هانئة، وهو الأمانة التي بين جنبيك، والتي ستُسأل عنها. اجعل نبضك قويًا، وشرايينك نظيفة، وروحك مطمئنة، وتذكر أن الوقاية خير من قنطار دواء، وخير من ألف عملية جراحية. عسى أن تكون هذه الكلمات نبراسًا ينير دربك، ويحميك من وجع القلب العليل



















