كريستين حنا نصر تكتب : من واشنطن..حكومة علي الزيدي ترسم المستقبل السياسي والاقتصادي للعراق الجديد

الكاتبة: كريستين حنا نصر
شكّلت القمة التي عقدت في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء 14 تموز/يوليو 2026، بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، محطة مفصلية في مسار العلاقات العراقية الأمريكية. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة باعتبارها أول زيارة خارجية للزيدي منذ توليه رئاسة الحكومة، كما أنها أول زيارة رسمية عراقية إلى الولايات المتحدة منذ عام 2003.
وحظي رئيس الوزراء العراقي باستقبال رسمي ودعم واضح من الرئيس ترامب، في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، قد ترسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ العراق. ومن المتوقع أن تسهم مخرجات هذه القمة في إحداث تحول ملموس في العلاقات بين بغداد وواشنطن، بما ينعكس إيجاباً على مستقبل العراق ويؤسس لشراكة أكثر رسوخاً في مختلف المجالات.
وتأتي هذه الزيارة في ظل تطورات إقليمية ودولية متسارعة، أبرزها الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على المنطقة والعالم، ولا سيما إغلاق مضيق هرمز وما نتج عنه من ارتفاع في أسعار الطاقة عالمياً. وفي هذا السياق، ركزت المباحثات على تعزيز العلاقات بين المسؤولين في البيت الأبيض والمؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال، لبحث ملفات التعاون الاقتصادي بين واشنطن وبغداد، وفي مقدمتها قطاع الطاقة والتعاون الأمني.
كما تناولت المباحثات تطوير اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وتعميق الشراكة الاقتصادية، وتعزيز التعاون في مجالات إعادة الإعمار، والتكنولوجيا، وحماية الاستثمارات، بما يفتح فصلاً جديداً في علاقات العراق ليس مع الولايات المتحدة فحسب، بل مع المجتمع الدولي بأسره، ويسهم في بناء دولة عراقية حديثة يعتز بها أبناؤها. وفي هذا الإطار، كان رئيس الوزراء علي الزيدي قد صرح قائلاً: “الأمم العظيمة لا تُصنع بالمصادفة، والعراق شريك أساسي في تحقيق الاستقرار.”
ويعيش العراق، في عهد علي الزيدي، مرحلة مفصلية من مسيرة الإصلاح الوطني، تتزامن مع الانتقال من مرحلة التحالف العسكري إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بما يعني تحويل العلاقة من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص المشتركة، مع التركيز على دعم الإنتاج، وتطوير البنية التحتية، والصناعة، والتكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، من خلال استقطاب كبرى الشركات الأمريكية للاستثمار داخل العراق.
وتفتح قمة البيت الأبيض صفحة جديدة من الشراكة بين بغداد وواشنطن، مدعومة بزخم سياسي وإصلاحي، بهدف ترجمة هذه العلاقات إلى استثمارات واتفاقيات استراتيجية تعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وترسخ مكانة العراق الجديدة إقليمياً ودولياً.
وفي الجانب الأمني، تبذل حكومة الزيدي جهوداً كبيرة لمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً، والمتمثل في حصر السلاح بيد الدولة، وبسط الأمن، وتعزيز سيادة القانون. وخلال زيارته إلى واشنطن، أعلن الزيدي من داخل البيت الأبيض تعهده بأن يكون العراق، بحلول 30 أيلول/سبتمبر 2026، خالياً من أي سلاح خارج إطار مؤسسات الدولة، مؤكداً رفضه استمرار وجود الفصائل المسلحة خارج سلطة الحكومة.
وتزامن ذلك مع تصريحات للرئيس ترامب أكد فيها إحراز تقدم في ملف نزع سلاح الفصائل، معتبراً أن هذا التطور الأمني قد يفضي مستقبلاً إلى عدم الحاجة لوجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية. إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يزال يواجه تحديات كبيرة، خصوصاً في ظل تمسك بعض الفصائل المسلحة، التي تُعد امتداداً للنفوذ الإيراني في العراق، برفض تسليم أسلحتها، وإعلانها الاستمرار في تطوير قدراتها العسكرية حتى بعد الموعد المحدد.
ويُعد هذا الملف من أكبر التحديات التي تواجه حكومة الزيدي، إذ إن نجاحها في حصر السلاح بيد الدولة من شأنه أن يفتح الباب أمام بيئة أكثر استقراراً، ويعزز فرص الاستثمار والتنمية الاقتصادية في العراق.
ومن الملفات التي أولتها الحكومة اهتماماً بالغاً أيضاً، ملف مكافحة الفساد. فقبيل زيارة واشنطن، أطلقت حكومة الزيدي حملة واسعة حملت اسم "صولة الفجر"، استهدفت كبار المتورطين في قضايا الفساد، وأسفرت عن إحالة عدد من المسؤولين إلى القضاء، إلى جانب مصادرة مبالغ مالية كبيرة وسبائك ذهبية مرتبطة بقضايا هدر المال العام والفساد الإداري.
ويُنظر إلى هذه الإجراءات بوصفها خطوة مهمة لتعزيز ثقة المستثمرين بالعراق، وتشجيع تنفيذ المشاريع والصفقات المشتركة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن توسيع انفتاح العراق الاستثماري على العالم.
وفي ضوء هذه التطورات، أرسلت الولايات المتحدة رسائل سياسية ومالية إيجابية إلى بغداد، تمثلت في استئناف تحويل عائدات النفط العراقي المودعة لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي، وذلك قبل أيام من وصول الزيدي إلى واشنطن، في خطوة عُدّت مؤشراً على تنامي الثقة الأمريكية بالحكومة العراقية الجديدة، ودعماً لاستقرار العراق بوصفه شريكاً سياسياً واقتصادياً مهماً.
وقد انعكست هذه الثقة في تصريحات الرئيس ترامب خلال اللقاء، إذ قال: "نحن نحب العراق"، واصفاً علي الزيدي بأنه "قائد عظيم"، ومعلناً دعمه له، ومتوقعاً استمراره في رئاسة الحكومة العراقية لفترة طويلة، ومشيراً إلى أنه سيكون زعيماً مؤثراً ليس للعراق فحسب، بل للمنطقة أيضاً.
كما أكد ترامب أن العلاقات العراقية الأمريكية انتقلت من مرحلة وصفها بـ"غير الجيدة" إلى مرحلة جديدة تتسم بمستوى "رائع"، مشيداً بأداء رئيس الوزراء العراقي، وواصفاً إياه بالشخص المناسب للعراق، وبأنه نجح في إحداث تغييرات مهمة خلال فترة قصيرة من توليه رئاسة الحكومة. كذلك أعلن الرئيس الأمريكي أن البلدين سيوقعان صفقات كبيرة خلال الأسبوع ذاته، وأضاف، في إطار المزاح المعروف عنه، واصفاً الزيدي بأنه "شاب ووسيم".
من جانبه، شكر رئيس الوزراء العراقي الرئيس ترامب على حفاوة الاستقبال، مؤكداً أن الزيارة لا تمثل حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل إعلاناً عن شراكة اقتصادية استراتيجية بين البلدين. كما جدد تأكيده على انتهاء وجود القوات الأمريكية في العراق بحلول 30 أيلول/سبتمبر 2026، والتحول نحو شراكة اقتصادية ومجتمعية وعسكرية قائمة على المصالح المتبادلة، مشيراً إلى أنه ينقل تحيات أقدم حضارة في التاريخ، حضارة بلاد ما بين النهرين، إلى أكبر مركز اقتصادي وتكنولوجي في العالم.
وفي المحصلة، تعكس هذه الزيارة تطوراً لافتاً في العلاقات العراقية الأمريكية، في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة، وتؤسس لمرحلة جديدة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية مهمة. كما تمهد لتوقيع مذكرات تفاهم في مجالات النفط والغاز والطاقة، واستقطاب الشركات الأمريكية لرفع القدرة الإنتاجية، فضلاً عن البحث عن بدائل لممرات النقل في ظل تداعيات إغلاق مضيق هرمز.
وبالتوازي مع جهود الحكومة في مكافحة الفساد، وبسط سيادة الدولة، وحصر السلاح بيد القوات المسلحة العراقية، فإن هذه التطورات، إذا ما استمرت، ستسهم في تعزيز بيئة الاستثمار، ودعم قطاعات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا، وترسيخ انفتاح العراق سياسياً واقتصادياً، ليس مع الولايات المتحدة فحسب، وإنما مع دول الإقليم والعالم أجمع.



















