+
أأ
-

يا سعادة العين: مكّنوا الأردنيات بقوانينكم.. لا من أبواب السفارات!

{title}
بلكي الإخباري

 

كتبت شيرين قسوس

قرأت خبرًا أن العين النسور يبحث مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة سبل تعزيز التعاون في تمكين المرأة، وخبرًا آخر أن السفير الأمريكي يطّلع على إجراءات تمكين الأردنيات، وشعرت بإهانة عظيمة، لماذا لا تأتي الحلول من الداخل؟!

سعادة العين:

المرأة اليوم لم تعد مجرد شريكة في إعالة الأسرة، بل أصبحت في كثير من الحالات المعيل الأساسي والوحيد لها، كما هو الرجل تمامًا. فهي تعمل داخل المنزل وخارجه، وتتحمل مسؤوليات اقتصادية واجتماعية متزايدة، وهناك حالات مجتمعية تفرض عليها أن تكون المعيلة الوحيدة لأسرتها؛ فهذه أرملة تعيل أبناءها، وتلك مطلقة تتحمل مسؤولية أطفالها، وأخرى اضطرتها ظروف الحياة إلى أن تكون السند الاقتصادي الوحيد لعائلتها. وهذه ليست حالات استثنائية بالقدر الذي يمكن معه تجاهلها، بل واقع اجتماعي يجب أن تنعكس متطلباته على التشريعات والسياسات العامة.

ومن هنا، فإن تمكين المرأة لا يمكن أن يكتمل بالشعارات، بل يبدأ من تمكينها اقتصاديًا كالرجل، وتمكينها قانونيًا، ومنحها الحقوق ذاتها التي يتمتع بها الرجل عندما تؤدي الالتزامات ذاتها. وهذا لا ينبغي أن يقتصر على قانون الضمان الاجتماعي وحده، وإنما يجب أن يمتد إلى أي عمل حكومي تقوم به المرأة، وإلى كل تشريع أو إجراء تتعامل من خلاله مع الدولة، بحيث تكون القوانين والسياسات متوافقة مع حقيقة دورها الاقتصادي والأسري، ومع واقع أصبحت فيه المرأة شريكًا حقيقيًا في إعالة الأسرة، وفي حالات كثيرة المعيل الوحيد لها.

وهذا أبسط مثال: تَدفع كالرجل.. وتُحاسَب كإمرأة..!!

المرأة في الضمان الاجتماعي تعامل كرجل عندما تدفع، لكنها لا تعامل دائمًا بالمبدأ نفسه عندما تطالب بحقها. فمنذ أول يوم عمل، يقتطع من راتبها كما يُقتطع من راتب زميلها الرجل وتلتزم بالشروط نفسها، وتتحمل الواجبات نفسها، لأن القانون في تلك اللحظة لا يرى سوى مؤمن عليه يدفع اشتراكاته. لكن عندما يحين وقت استرداد ما دفعته طوال سنوات عمرها تتبدل المعايير، ويصبح جنسها ووضعها الأسري جزءًا من معادلة الاستحقاق.

هذه ليست عدالة، بل تناقض صارخ في فلسفة القانون.

لا يمكن لمنظومة تدعي العدالة أن تساوي بين المرأة والرجل عند تحصيل الاشتراكات، ثم تميز بينهما عند توزيع الحقوق. فالضمان الاجتماعي ليس منحة تمنحها الدولة متى شاءت وكيف شاءت، بل حق تأميني تكوّن من اقتطاعات شهرية دفعتها المرأة من جهدها وراتبها، تماما كما فعل الرجل.

صحيح أن القانون يتضمن بعض الأحكام ذات الطابع الحمائي لصالح المرأة، وصحيح أن كثيرًا من النساء يتمسكن بها لأنهن يواجهن واقعا اجتماعيا يحملهن أعباء العمل والبيت معا. لكن هذا لا يبرر الإبقاء على نصوص تمييزية في مواضع أخرى. فالمرأة لا ينبغي أن تُجبر على المقايضة بين حقها في المساواة وحقها في الحماية المطلوب ليس امتيازات، بل تشريع متسق يحترم الإنسان المؤمن عليه قبل أي اعتبار آخر.

لقد تغير المجتمع، وتغير دور المرأة، وأصبحت شريكا اقتصاديا حقيقيا، بل والمعيل الأساسي في آلاف الأسر. ومع ذلك، لا تزال بعض النصوص القانونية تتعامل معها وكأن مساهمتها في الإنفاق استثناء، لا قاعدة تتسع يوما بعد يوم.

والأهم أن النظر إلى المرأة باعتبارها معيلة يجب ألا يتوقف عند الضمان الاجتماعي. فكلما كانت المرأة مواطنة كاملة الأهلية، وعاملة، ودافعة للضرائب والاشتراكات، ومساهمة في الاقتصاد، ومعيلة لأسرتها، فمن المنطقي أن تنعكس هذه الحقيقة على كل عمل حكومي وكل تشريع وكل سياسة عامة تمس حقوقها الاقتصادية والاجتماعية. فتمكين المرأة اقتصاديًا لا يتحقق بمنحها فرص العمل فقط، وإنما أيضًا بإزالة النصوص والإجراءات التي تنتقص من قدرتها على الاستقلال الاقتصادي أو تجعل حقوقها مرتبطة بافتراضات اجتماعية لم تعد تعكس واقع المجتمع.

المرأة الأردنية لا تطلب معاملة خاصة، ولا تطلب أن تكون فوق القانون، بل تطالب بأن يكون القانون منصفا مع نفسه. فإذا كانت كاملة الأهلية عندما تدفع، فلا يجوز أن تصبح ناقصة الاعتبار عندما تقبض. وإذا كانت اشتراكاتها مساوية لاشتراكات الرجل، فيجب أن تُبنى حقوقها على الأساس ذاته، لا على افتراضات اجتماعية عفا عليها الزمن.

آن الأوان لإعادة النظر في كل نص يربط الحقوق التأمينية بجنس المؤمن عليه بدلا من اشتراكاته واستحقاقاته. فالمرأة دفعت من راتبها كما دفع الرجل، ومن حقها أن تحصل على حقوقها بالمعيار نفسه، لا بمعيار يتغير لحظة الاستحقاق!!

فالتمكين الحقيقي للمرأة يبدأ عندما يعترف القانون بواقعها: امرأة تعمل، وتنتج، وتدفع، وتعيل، وتتحمل المسؤولية... ولذلك يجب أن تحصل على حقوقها على قدم المساواة مع الرجل.

وقِسْ ذلك على باقي مؤسسات الدولة، من تفنّن في البنود؛ بند غلاء المعيشة، بند الإعالة... إلخ، وغالبًا ما تصب في جيب الرجل!