د. حمد الكساسبة : اقتصاد الردع: هل تغيّر المقاطعة حسابات الاستيطان الإسرائي

لأعوام طويلة، بقي الاستيطان الإسرائيلي يتوسع تحت سقف مرتفع من الإدانة وكلفة منخفضة من الردع.
فالمشكلة لم تكن في غياب المواقف الدولية، بل في محدودية ما ترتب عليها من أثمان سياسية واقتصادية. ولهذا يكتسب الاتجاه البريطاني والأوروبي نحو تقييد التعامل مع منتجات المستوطنات أهمية خاصة؛ لأنه قد يمثل بداية انتقال من تسجيل الاعتراض إلى التأثير في الحسابات التي تسمح للتوسع بالاستمرار.
صحيح أن مقاطعة منتجات المستوطنات وحدها لن تربك الاقتصاد الإسرائيلي، فحجم هذه التجارة محدود. لكن أهميتها تكمن في المسار الذي يمكن أن تفتحه.
فإذا أصبح النشاط المرتبط بالمستوطنات أقل قدرة على الوصول إلى الأسواق والتمويل والاستثمار، وامتدت القيود إلى الشركات والمصارف وشركات التأمين التي تموله أو تخدمه، فإن الكلفة تنتقل تدريجياً من بعض الصادرات إلى البيئة الاقتصادية التي تدعم هذا النشاط.
وتكتسب هذه الفكرة وزناً أكبر لأن أوروبا شريك اقتصادي رئيسي لإسرائيل. فالشركات والمستثمرون لا ينتظرون دائماً وقوع العقوبة حتى يغيروا قراراتهم؛ يكفي أن يصبح الارتباط بالمستوطنات مصدراً لمخاطر على السوق أو التمويل أو السمعة حتى تبدأ الحسابات بالتغير.
وحين ترتفع المخاطر ينخفض العائد المتوقع، ويصبح رأس المال أكثر حذراً. وهنا يظهر جوهر الردع الاقتصادي: جعل النشاط المرتبط بالاستيطان أعلى كلفة وأقل جاذبية للاستثمار.
لكن القوة الاقتصادية الأوروبية لا تكفي وحدها. فالولايات المتحدة هي الطرف الدولي الأكثر قدرة على التأثير في القرار الإسرائيلي، وهي في الوقت نفسه شريك استراتيجي رئيسي للدول العربية.
ومع ذلك، لم يتحول هذا النفوذ حتى الآن إلى سياسة واضحة ترفع كلفة استمرار التوسع. وإذا كانت واشنطن ترى في حل الدولتين واستقرار الشرق الأوسط مصلحة مشتركة، فإن استخدام نفوذها للحد من الاستيطان يجب أن يكون جزءاً من حماية هذه المصلحة.
وهذا يطرح سؤالاً أوسع حول مضمون الشراكة العربية–الأميركية. فهذه العلاقات تمتد من الأمن والدفاع إلى التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا.
فما جدوى شراكة بهذا الحجم إذا بقي ملف يهدد حل الدولتين ويزيد مخاطر عدم الاستقرار خارج دائرة تأثيرها؟ إن موقفاً أميركياً أكثر وضوحاً تجاه التوسع لا يخدم الفلسطينيين وحدهم، بل يحمي أيضاً أسس الاستقرار الذي تقوم عليه المصالح الأميركية والعربية معاً.
ومن هنا تنتقل المسؤولية إلى الجانب العربي نفسه. فبقاء الموقف العربي عند حدود الإدانة لم يعد متناسباً مع حجم الخطر ولا مع الأدوات المتاحة.
فالاستيطان لا يغير الخريطة الفلسطينية فقط؛ إنه يقلص إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويضعف فرص التسوية، ويفتح الباب أمام صراع أطول وأكثر كلفة. لذلك فإن حماية حل الدولتين أصبحت مصلحة عربية مرتبطة بالأمن والاستثمار والنمو والاستقرار الإقليمي.
ولهذا تبدو الحاجة قائمة إلى موقف عربي رسمي على مستوى القمة، لا لإعادة تأكيد مواقف معروفة، بل لاعتماد إطار مشترك للعمل.
ويمكن أن يبدأ بمنع منتجات المستوطنات، وتشديد قواعد المنشأ، ومراجعة التعامل مع الشركات المرتبطة بالنشاط الاستيطاني، واستخدام المشتريات الحكومية والاستثمارات بصورة أكثر اتساقاً. والأهم أن يحمل موقفاً جماعياً إلى واشنطن بأن حماية حل الدولتين جزء من حماية استقرار المنطقة.
ولا يفتقر العالم العربي إلى الأدوات. فهناك أسواق واسعة، وصناديق سيادية، واستثمارات كبيرة، ومشروعات إقليمية وعلاقات استراتيجية مع القوى الكبرى.
والتحدي ليس في امتلاك هذه الأوراق، بل في تحويلها إلى نفوذ منظم. وإذا جرى تنسيقها مع التحرك الأوروبي وربطها بحوار واضح مع الولايات المتحدة، يصبح الوزن الاقتصادي العربي جزءاً من معادلة التأثير، لا قوة مالية تقف خارجها.
وفي النهاية، لن توقف مقاطعة واحدة الاستيطان، ولن تغير أداة منفردة معادلة ترسخت خلال عقود. لكن ما يمكن تغييره هو القاعدة التي حكمت هذا الملف طويلاً: أن يستمر التوسع بينما تبقى كلفته محدودة.
أوروبا بدأت في تحريك أدوات السوق، والولايات المتحدة تملك النفوذ الأكثر تأثيراً، والعرب يملكون وزناً اقتصادياً وسياسياً مهماً.
ومع استمرار الاستيطان في تقليص فرص حل الدولتين، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما قيمة الشراكة العربية–الأميركية، وما قيمة الوزن الاقتصادي العربي، إذا لم يُستخدما لحماية استقرار المنطقة قبل أن تصبح كلفة إنقاذه أعلى بكثير؟

















