تحديات بريكس.. هل تطيح الخلافات السياسية بطموحات التكتل الاقتصادي؟

يشكل تكتل بريكس اليوم ثقلا عالميا يضم في عضويته نصف سكان الكوكب تقريبا، مع مساهمة تتجاوز 65 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي لدول الجنوب العالمي، وحصة سوقية تقترب من ربع حجم التجارة الدولية، غير ان هذا الحضور الاقتصادي القوي يواجه تحديات داخلية متنامية تعيق مسار التنسيق المشترك، اذ كشفت التطورات الاخيرة عن فجوة عميقة بين الطموحات التنموية والتباينات السياسية الحادة بين دول التكتل.
واوضحت المعطيات الراهنة ان هذا التكتل الذي بدأ كفكرة اقتصادية طموحة في مطلع الالفية الحالية، تحول الى كيان يضم 11 دولة تسعى لتعزيز نفوذها، لكن الواقع اثبت ان التوسع في العضوية لم يترجم الى وحدة في المواقف، بل زاد من تعقيد التوافق السياسي، وهو ما ظهر جليا في تعثر اصدار بيانات مشتركة خلال سلسلة الاجتماعات الدورية الاخيرة.
وبينت التحليلات ان التحدي الابرز يكمن في غياب رؤية سياسية موحدة، حيث تبرز انقسامات حول طبيعة الدور المستقبلي للتكتل، فبينما تدفع اطراف مثل روسيا والصين وايران نحو تحويله الى منصة سياسية مناهضة للنفوذ الغربي، تفضل دول اخرى مثل الهند والبرازيل الحفاظ على طابعه الاقتصادي البحت لتجنب الصدام مع النظام الدولي القائم.
واقع التجارة البينية والاعتماد المتبادل
واكدت الدراسات الاقتصادية ان حجم التجارة بين دول بريكس لا يزال دون المستوى المطلوب، اذ لا تتخطى التجارة البينية عتبة الـ 20 بالمئة من اجمالي تعاملات دول الجنوب العالمي، واضافت ان الصين تلعب دور المحرك الرئيسي لهذه الحركة التجارية، بينما تظل بقية الدول اقل اعتمادا على شركائها داخل التكتل، مما يعكس غياب الاندماج الاقتصادي العميق الذي يضمن تماسك الكتلة في الازمات.
وكشفت الارقام ان التفاوت في المصالح الاقتصادية يجعل من الصعب الوصول الى صيغ موحدة، حيث تسيطر الصين على مفاصل التجارة داخل المجموعة، في حين تسعى دول اخرى لتنويع شراكاتها الدولية بعيدا عن قيود التحالفات السياسية، وهو ما يفسر التردد في اتخاذ مواقف جماعية حادة تجاه القوى الغربية في المحافل الدولية.
واظهرت المتابعات ان طبيعة العلاقة بين الاعضاء تقوم على مصالح براغماتية مؤقتة، بدلا من كونها تحالفا استراتيجيا طويل الامد، حيث تتداخل المصالح الوطنية لكل دولة مع التزاماتها الدولية، مما يجعل التكتل في حالة اختبار دائم لقدرته على الموازنة بين الاهداف المشتركة والخصوصيات السياسية لكل عضو.
مسارات الاقتصاد المالي والعملة المحلية
وشدد خبراء على ان النجاح الحقيقي لبريكس يتجلى في الادوات المالية، لا سيما دور بنك التنمية الجديد الذي نجح في تمويل عشرات المشاريع الحيوية في مجالات الطاقة والبنية التحتية، واشاروا الى ان البنك يواصل خطته الاستراتيجية لرفع حصة العملات المحلية في التمويلات لتصل الى 30 بالمئة، وذلك ضمن مسعى تقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات المالية بين الاعضاء.
واضافت التقارير ان روسيا حققت تقدما لافتا في هذا السياق، اذ اشارت بيانات العام الجاري الى اعتماد العملات الوطنية في نحو 90 بالمئة من تجارتها داخل التكتل، وهو ما يمثل خطوة عملية نحو الاستقلال المالي، رغم استمرار التحديات التي تواجه تعميم هذه التجربة على باقي الاعضاء الذين لا يزالون يفضلون التعامل بالعملات الدولية.
واكدت التطورات الجارية ان بريكس ينجح في بناء هيكل مالي واقتصادي موازٍ، لكنه يظل رهينة للتباينات السياسية التي تمنعه من التحول الى قوة ضاغطة على الصعيد الدولي، ليظل التساؤل قائما حول امكانية صمود هذا التكتل امام اختبارات السياسة، حيث يبقى المال هو الرابط الوحيد الذي يجمع الاعضاء في حين تفرقهم الرؤى السياسية.



















