+
أأ
-

حرب المعادن الحرجة: كيف تتحكم الصين في مستقبل صناعة المسيرات العالمية

{title}
بلكي الإخباري

لا تبدا رحلة الطائرة المسيرة داخل خطوط التجميع او في مختبرات البرمجة والذكاء الاصطناعي كما يعتقد البعض. بل تبدا القصة من اعماق المناجم ومصافي التكرير التي توفر المواد الاولية اللازمة لصناعة الشرائح الالكترونية والمستشعرات الحرارية والمحركات المتطورة. واصبحت القدرة على انتاج الطائرات المسيرة في العصر الحديث مرتبطة بشكل وثيق بمدى استقرار سلاسل التوريد للمعادن الحساسة.

واوضحت التقارير الاقتصادية ان حجم سوق المسيرات العالمي يشهد نموا متسارعا حيث يقدر بالمليارات مع توقعات بمضاعفة هذه الارقام خلال العقد المقبل. وبينت التحليلات ان الصين تفرض سيطرتها على مفاصل حيوية في هذه الصناعة لا تتوقف عند بيع المواد الخام بل تمتد لتشمل عمليات التكرير والتحويل الصناعي المعقدة التي يصعب استبدالها في وقت قصير.

واكد الخبراء ان هذا التركيز في مراحل الانتاج يجعل الدول الغربية في مواجهة تحديات استراتيجية كبيرة. واضافوا ان اي اضطراب سياسي او قيود تجارية تفرضها بكين قد تؤدي الى شلل في خطوط الانتاج التي تعتمد كليا على هذه المكونات التي تدخل في صميم البنية التكنولوجية للمسيرات الحديثة.

معادن استراتيجية في قلب التقنية

وكشفت الدراسات الجيولوجية ان ثلاثة معادن رئيسية تشكل العمود الفقري لصناعة المسيرات وهي الغاليوم والجرمانيوم والعناصر الارضية النادرة. واشارت البيانات الى ان الغاليوم يعد عنصرا اساسيا في صناعة اشباه الموصلات والمكونات البصرية التي تستخدم في الليزر واجهزة الاستشعار المتطورة.

وبينت هيئة المسح الجيولوجي الامريكية ان الصين تهيمن على نحو 98 في المئة من انتاج الغاليوم المكرر عالميا. واضافت ان الجرمانيوم يلعب دورا محوريا في انظمة الرؤية الليلية والعدسات الحرارية حيث تستحوذ الصين ايضا على حصة الاسد من انتاجه العالمي مما يجعلها لاعبا لا يمكن تجاوزه في هذا القطاع.

وذكرت التقارير ان العناصر الارضية النادرة تكمل هذه الخريطة الصناعية كونها تدخل في صناعة المغناطيسات الدائمة للمحركات الكهربائية. واوضحت ان الصين تسيطر على اكثر من ثلثي انتاج هذه العناصر عالميا مما يمنحها نفوذا كبيرا في التحكم بتدفق المواد اللازمة للصناعات الدفاعية والمدنية على حد سواء.

التكرير هو التحدي الحقيقي

وذكر المختصون ان امتلاك الدول لرواسب معدنية في باطن الارض لا يعني بالضرورة امتلاكها لاستقلال صناعي. واكدوا ان الفارق الجوهري يكمن في القدرة على تحويل هذه الخامات الى مواد عالية النقاوة عبر عمليات كيميائية وصناعية دقيقة تتطلب خبرات تراكمية واستثمارات ضخمة.

واوضح تقرير وكالة الطاقة الدولية ان التركيز في مراحل التكرير زاد بشكل ملحوظ في السنوات الاخيرة. وشدد التقرير على ان الخطر الحقيقي الذي يواجه الصناعات الغربية لا يتمثل في ندرة المعادن نفسها بل في ندرة الدول التي تمتلك تكنولوجيا المعالجة والتحويل الى مكونات جاهزة للاستخدام.

واضاف المحللون ان صناعة المسيرات دخلت في منافسة شرسة مع قطاعات الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية على الموارد ذاتها. وبينوا ان الشركات الغربية تجد نفسها في سباق محتدم لتامين احتياجاتها من هذه المعادن وسط سوق عالمي يتسم بالتنافسية العالية ومحدودية الموردين.

الصين تستخدم المعادن كاداة ضغط

وكشفت التطورات الاخيرة ان الصين بدات بالفعل في استخدام ملف الصادرات كاداة ضغط سياسي واقتصادي. واوضحت ان فرض نظام تراخيص على تصدير الغاليوم والجرمانيوم ادى الى تذبذب واضح في امدادات الاسواق العالمية وارتفاع كبير في اسعار هذه المواد.

وبينت البيانات ان حجم واردات الولايات المتحدة من الجرمانيوم شهد انخفاضا حادا في العام الاخير نتيجة القيود الصينية. واضافت ان الاسعار في السوق الاوروبية قفزت بشكل قياسي مما يعكس مدى حساسية سلاسل التوريد تجاه القرارات التي تتخذها بكين في قطاع اشباه الموصلات.

واكد مراقبون ان الصين تتبع استراتيجية ذكية تقوم على التلاعب بالتراخيص وعدم اليقين في التوريد بدلا من الحظر الكامل. واوضحوا ان هذه المناورات تهدف الى ابقاء الدول المنافسة تحت ضغط مستمر وتذكيرها دائما بهشاشة البنية التحتية الصناعية التي تعتمد على الخارج.

نحو استقلال صناعي بديل

وختاما تشير المعطيات الى ان الغرب يدرك الان ضرورة بناء سلاسل توريد مستقلة بعيدا عن الهيمنة الصينية. واكد الخبراء ان الاستقلال الصناعي الحقيقي لا يقاس بعدد الطائرات المسيرة التي يتم تجميعها بل بالقدرة على تامين كل حلقة من حلقات الانتاج بدءا من التعدين وصولا الى الشريحة الدقيقة.

واضاف المحللون ان التوجه القادم يركز على الاستثمار في تقنيات التدوير وتطوير قدرات التكرير المحلية. وبينوا ان الدول التي ستنجح في تأمين مصادر بديلة للمعدن والمصفاة والمغناطيس ستكون هي الاكثر قدرة على حماية أمنها القومي وتقنياتها المتقدمة في المستقبل.

وشدد التقرير على ان المعركة القادمة ليست في ساحات القتال التقليدية بل في المصانع والمختبرات التي تحول المواد الخام الى قوة تكنولوجية. واوضح ان التحرر من التبعية للمواد الاولية اصبح اولوية قصوى لضمان استمرارية التفوق الصناعي والعسكري.