أ.د. محمد الفرجات : الأبيض في حفلة ذياب وتساؤلات مشروعة عن بلدٍ مستهلك لا ينتج

لنبدأ من نقطة مهمة: لسنا ضد الفرح، ولا ضد السياحة، ولا ضد الحفلات الفنية، ولا ضد أن تنتعش العقبة وفنادقها ومطاعمها وأسواقها. بل إن الحركة السياحية والإنفاق على الترفيه جزء طبيعي من الاقتصاد، وحفل فني كبير في العقبة يمكن أن ينعش قطاعات متعددة، من الفنادق والنقل والمطاعم إلى التجارة والخدمات.
لكن المشهد الذي رأيناه في العقبة في حفل عمرو دياب يطرح سؤالاً اقتصادياً أوسع بكثير من الحفل نفسه.
ففي 18 أيلول 2026، امتلأت منطقة واحة أيلة بالحضور في حفل عمرو دياب، وسط اشتراط ارتداء الأبيض، فيما تراوحت أسعار التذاكر المعلنة من 90 ديناراً للدخول العام وصولاً إلى 425 ديناراً لفئة Premium Lounge.
وهنا يبدأ السؤال المشروع:
إذا كان هناك هذا العدد الكبير القادر على دفع مئات الدنانير لتذكرة ليلة واحدة، فضلاً عن الفندق والنقل والطعام والملابس والمصاريف الأخرى، فمن أين تأتي هذه القدرة الشرائية في بلد نتحدث فيه في الوقت نفسه عن الفقر والبطالة وضغط المعيشة؟
السؤال ليس اتهاماً للحاضرين، ولا ينبغي أن يكون كذلك.
بل هو سؤال اقتصادي عن تركيبة المجتمع والدورة الاقتصادية التي أنتجت هذه القدرة على الإنفاق.
ربما تكون الإجابة أمامنا منذ سنوات
قبل أكثر من عقد، طرحتُ ما عُرف بـ «مشروع الشعب للإنتاج»، وكانت الفكرة الأساسية بسيطة في جوهرها:
أن ننتقل من مجتمع يعتمد بصورة كبيرة على الاستهلاك والاستيراد إلى مجتمع ينتج ويستثمر ويملك أدوات الإنتاج.
وقد نُشرت الفكرة منذ عام 2014، ثم توسعت لاحقاً، وكان جوهرها إنشاء قاعدة إنتاجية شعبية، تساهم فيها شرائح المجتمع، وتعمل على إنتاج جزء مما نستورد، بما يوفر فرص العمل ويولد عوائد للأسر ويقوي الاقتصاد الوطني.
واليوم، وبعد أكثر من عقد، تطورت الفكرة إلى طرح أكثر ارتباطاً بواقع الأردن وموارده، هو «القرى الأردنية الإنتاجية الذكية مناخياً»؛ وهي تقوم على الإنتاج، والطاقة المتجددة، والزراعة الحديثة، والإدارة الذكية للمياه، والتكنولوجيا، والاقتصاد الدائري، واستثمار المزايا النسبية للمناطق الصحراوية، بهدف تعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي وإيجاد فرص عمل منتجة. وقد ناقش المجلس الاقتصادي والاجتماعي المبادرة في آب 2026، ودعا إلى إطلاق مشروع نموذجي لها ودراسة تحويلها إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ.
إذن نحن لا نتحدث اليوم عن فكرة نظرية جديدة.
نحن نتحدث عن مسار فكري بدأ منذ سنوات، ويتطور مع تغير الظروف.
لكن ماذا يقول لنا مشهد «الأبيض»؟
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد حفلة.
لكن الاقتصادي ينظر إلى الصورة بطريقة مختلفة.
لدينا في الأردن استيراد سنوي ضخم. ووفق دائرة الإحصاءات العامة، بلغت قيمة المستوردات في عام 2025 نحو 20.528 مليار دينار، مقابل صادرات إجمالية بلغت نحو 10.583 مليار دينار، وسجل الميزان التجاري عجزاً قدره نحو 9.945 مليار دينار.
وهذه ليست أرقاماً مجردة.
فوراء كل سلعة مستوردة تقريباً سلسلة اقتصادية كاملة:
مستورد، ووكيل، وتاجر، وشركة تخليص، ونقل، ومستودعات، وتمويل، وبنوك، وتسويق، وتوزيع، وهوامش ربح.
وعندما نتحدث عن آلاف السلع والفئات والمنتجات المستوردة، فنحن نتحدث عن آلاف الأنشطة التجارية التي تستطيع استخراج الأرباح من دورة الاستيراد والاستهلاك.
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً:
هناك اقتصاد كامل يستطيع أن يربح من إدخال المنتج إلى الأردن وبيعه، بينما نحتاج إلى اقتصاد أكبر وأكثر عمقاً يستطيع أن يربح من تصنيع المنتج في الأردن أصلاً.
هذه هي النقلة التي أراها ضرورية.
ليس السؤال: من حضر الحفلة؟
السؤال الحقيقي:
لماذا لا ننتج نحن ما نستهلكه؟
إذا كان لدينا سوق محلي يستهلك مليارات الدنانير سنوياً، فلماذا لا تتحول نسبة متزايدة من هذا الإنفاق إلى مصانع ومزارع وورش وشركات تكنولوجيا وخدمات لوجستية أردنية؟
لماذا لا تكون السلعة التي نشتريها مصنوعة في العقبة أو معان أو المفرق أو إربد أو الكرك أو الطفيلة أو البلقاء؟
لماذا لا تكون الملابس التي نرتديها من إنتاج مصانعنا؟
والغذاء من مزارعنا ومصانعنا؟
والأثاث من أخشابنا وورشنا؟
والأجهزة والمعدات من صناعاتنا؟
والحلول الرقمية من شركات شبابنا؟
ولماذا لا نستبدل جزءاً من فاتورة الاستيراد بفاتورة إنتاج محلية؟
نحن لا نفتقر إلى المستهلك
وهذه ربما أهم نقطة.
الأردن لديه مستهلك.
لدينا ملايين البشر يشترون يومياً.
لدينا أسر تدفع للسكن والطعام والنقل والتعليم والصحة والملابس والطاقة والترفيه.
ولدينا سوق سياحي أيضاً.
ولدينا مغتربون.
ولدينا استثمارات.
ولدينا بنوك وتمويل.
ولدينا جامعات وكفاءات بشرية.
ولدينا شمس ومساحات صحراوية واسعة، وإمكانات في الطاقة المتجددة، وخبرة زراعية، وموقع جغرافي، وموانئ، ومناطق صناعية.
لكن المشكلة الأساسية أن جزءاً كبيراً من هذه القوة الاقتصادية يعمل في اتجاه الاستهلاك أكثر مما يعمل في اتجاه الإنتاج.
ولهذا يمكن أن ترى في يوم واحد مشهدين يبدوان متناقضين:
أسرة تكافح مع كلفة المعيشة والبطالة، وفي الجهة الأخرى قدرة شرائية عالية تنفق مئات الدنانير في ليلة ترفيهية واحدة.
وهذا ليس تناقضاً بالضرورة.
إنه انعكاس لوجود تفاوت كبير في الدخول والثروة والقدرة على الإنفاق داخل المجتمع.
كما أن هناك أموالاً تتحرك في الاقتصاد من تجارة واستثمار وخدمات ومهن وأعمال وادخار وتمويل، ولا يصح اختزال كل من حضر الحفل في طبقة اجتماعية واحدة.
لكن السؤال التنموي يبقى قائماً:
كيف نجعل الثروة الجديدة في الأردن تأتي بصورة أكبر من الإنتاج الحقيقي، وليس فقط من التداول والاستهلاك والاستيراد والخدمات؟
حتى البنوك جزء من الصورة
الأموال التي تتحرك في الاقتصاد لا تختفي.
الودائع تتحول إلى تمويل، والتمويل يتحول إلى استثمار واستهلاك، والفوائد تؤثر في كلفة الاقتراض، والسياسة النقدية العالمية تنعكس في النهاية على الاقتصادات المحلية.
لكن الاقتصاد الأقوى هو الذي يستطيع أن يحول المال إلى أصول إنتاجية:
مصنع.
مزرعة.
شركة تكنولوجيا.
محطة طاقة.
مصنع غذائي.
شركة تصدير.
منشأة صناعية.
قرية إنتاجية.
عندها لا يعود المال مجرد قدرة على شراء منتج مستورد؛ بل يصبح قدرة على صناعة المنتج نفسه.
والعجز التجاري يقول لنا الكثير
الأرقام الحالية وحدها تكفي لطرح السؤال.
في 2025 استورد الأردن ما قيمته 20.528 مليار دينار.
تخيل لو استطعنا إحلال جزء من هذه المستوردات بإنتاج أردني منافس.
ليس المطلوب أن نصنع كل شيء.
وليس من المنطقي اقتصادياً أن نصنع كل شيء.
لكن لو تحولنا تدريجياً إلى إنتاج نسبة متزايدة من الغذاء والملابس والأثاث والمستلزمات الصناعية والمنتجات الزراعية والتكنولوجية وغيرها، فإننا نحقق ثلاث نتائج في وقت واحد:
نخفض فاتورة الاستيراد.
نوجد فرص عمل.
ونبني ثروة محلية قابلة للنمو والتصدير.
وهذا أكثر استدامة من انتظار وظيفة حكومية جديدة.
البطالة هي الوجه الآخر للقضية
أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة تشير إلى أن معدل البطالة الكلي بلغ 16.1% في الربع الثاني من 2026، بينما بلغ معدل البطالة بين الأردنيين 21.0%.
إذن القضية ليست أن الأردني لا يريد العمل.
القضية الأكبر هي:
أين هي قاعدة الإنتاج التي تستوعب هذا العمل؟
إذا ظل الاقتصاد يوسع الاستهلاك أكثر مما يوسع الإنتاج، فإن جزءاً كبيراً من الوظائف سيبقى في التجارة والخدمات الوسيطة، بينما تبقى الوظائف الإنتاجية النوعية محدودة.
وهنا تأتي الفكرة القديمة بحلة جديدة.
من «مشروع الشعب للإنتاج» إلى «القرى الإنتاجية الذكية مناخياً»
الفكرة اليوم ليست أن نقول للناس: ازرعوا وانتهى الأمر.
بل أن نبني منظومة إنتاج متكاملة:
طاقة شمسية + مياه + زراعة حديثة + تصنيع غذائي + صناعات خفيفة + تكنولوجيا + ذكاء اصطناعي + GIS + إدارة موارد + تسويق + تجارة إلكترونية + تصدير.
وهذه هي فلسفة القرى الإنتاجية الذكية مناخياً التي طُرحت حديثاً: تحويل الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف، والوظائف إلى دخول، والدخول إلى استثمار، والاستثمار إلى مزيد من الإنتاج. وقد أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى أهمية المياه والطاقة واستثمار المناطق الصحراوية والطاقة المتجددة، وإلى ضرورة تحويل الفكرة إلى برامج تنفيذية قابلة للتطبيق والاستدامة المالية.
وهنا يصبح المواطن شريكاً في الإنتاج لا مجرد مستهلك.
لنعد إلى «الأبيض»
اللون الأبيض في الحفل جميل.
والحفلة جميلة.
والعقبة تستحق أن تكون مدينة سياحية نابضة.
والفنانون العالميون يجب أن يجدوا في الأردن سوقاً ومكاناً.
لكن أجمل من أن نرى الأردني يلبس الأبيض في حفلة، أن نراه غداً يرتدي ملابس صنعها مصنع أردني، ويأكل غذاءً أردنياً، ويعمل في مشروع أردني، ويستثمر في شركة أردنية، ويصدر منتجاً أردنياً إلى الخارج.
هذه هي الصورة التي نريد أن نصل إليها.
لسنا ضد الاستهلاك.
نحن ضد أن يكون الاستهلاك هو المحرك الأكبر للاقتصاد بينما يكون الإنتاج هو الحلقة الأضعف.
لسنا ضد الأغنياء.
بل نريد اقتصاداً يصنع مزيداً من الأغنياء المنتجين.
لسنا ضد الفن.
بل نريد أن يصبح الاقتصاد الذي يستضيف الفنان قادراً أيضاً على إنتاج صناعاته وفنه وتقنياته وخدماته.
ولسنا ضد الاستيراد.
فالاستيراد ضرورة لأي اقتصاد حديث.
لكن الفرق بين الدولة المستهلكة والدولة المنتجة هو أن الثانية لا تكتفي بفتح أبوابها للمنتج الأجنبي؛ بل تستخدم سوقها المحلي لبناء قدرتها الإنتاجية الوطنية.
السؤال الذي يجب أن يخرج من حفلة عمرو دياب
لا ينبغي أن يكون:
من أين جاء كل هؤلاء الناس؟
بل:
كيف نستطيع أن نجعل كل دينار ينفق في الأردن يولد أكبر قدر ممكن من القيمة المضافة الأردنية؟
وكيف نحول جزءاً من الـ20.5 مليار دينار التي نخرجها سنوياً للاستيراد إلى مصانع ومزارع وشركات وفرص عمل داخل المملكة؟
كيف نحول القرى من تجمعات سكانية إلى وحدات إنتاجية؟
كيف نحول الصحراء من مساحة جغرافية إلى طاقة وغذاء وصناعة؟
كيف نحول الشباب من طالبي وظائف إلى مالكي مشاريع ومنتجين ومصدرين؟
وكيف نحول الأسرة الأردنية من مستهلكة للسلع إلى مساهمة في رأس مال الإنتاج الوطني؟
هذه الأسئلة هي جوهر مشروع الشعب للإنتاج الذي طُرح قبل أكثر من عقد، وهي نفسها التي تتطور اليوم في نموذج القرى الإنتاجية الذكية مناخياً.
لقد أثبتت لنا العقود الماضية أننا نستطيع أن نبني مجتمعاً استهلاكياً لديه سوق كبير.
والتحدي القادم هو أن نثبت أننا نستطيع بناء مجتمع إنتاجي لديه سوق كبير أيضاً.
فالأردن لا يحتاج فقط إلى أن يزيد دخله.
الأردن يحتاج إلى أن يغير مصدر الدخل نفسه: من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاستيراد إلى الإحلال الصناعي والزراعي، ومن الوظيفة إلى العمل المنتج، ومن المستهلك إلى الشريك في الثروة.
وعندها فقط، عندما نشاهد آلاف الأردنيين مجتمعين في العقبة بملابس بيضاء، لن نسأل:
«من أين لهم كل هذا المال؟»
بل ربما نسأل سؤالاً أجمل:
«كم مصنعاً ومزرعة وشركة أردنية أنتجت هذا المال؟»


















