الجزائر/. حكيم دكّار رجلٌ "قادمٌ من التّاريخ

حوار نُسيبة عطاء الله
عند فوزي بجائزة "عبد الحميد بن باديس" الوطنيّة في القصّة القصيرة بقصّة " أنا وروكي"، دُعيت للتّكريم في قسنطينة واستلام الجائزة، وكان لقائي مع الفنّان والممثّل القدير "حكيم دكّار" ثمرة من ثمار تلك الرّحلة الرّوحانية والثّقافية على حدّ سواء. استقبلني مع طاقم إدارة المسرح الجهويّ لمدينة قسنطينة، التّحفة المعمارية الأثريّة التي تعتبر ثالث أجمل المسارح في العالم، وخلال حديث عفويّ بمكتبه، نشأ هذا الحوار الثّري، الذي اعتبره الأستاذ حكيم مفاجأة لا مثيل لها، إذ قال لي وقتها: " لم يسبق لأحد أن افتكّ منّي ساعة كاملة من الكلام دون توقّف، لم يحدث لي هذا إلّا معك، أنت محظوظة جدّا."
لم ينزعج "حكيم دكّار" لمّا قلت له بكلّ طفولة: "جُحا يا إلهي"، كانت تلك أوّل مرّة أرى فيها شخصيّة من شخصيّاتي المفضّلة، ليس في طفولتي فحسب، بل في حياتي كلّها. لقد قرأت فيه الحكمة من أوّل نظرة، وعرّجتُ على تاريخ.
من هو حكيم دكّار؟
هو مخرج، وممثّل مسرح وسينما وتلفزيون محترف، خرّيج المعهد البلدي للفنون بقسنطينة، يشتغل نائب رئيس بلديّة مكلّف بالشّؤون التّربوية الثّقافية والمسرحيّة، منتج منفّذ لدى التّلفزيون الجزائري، ورئيس المرصد الوطني للفنّان بالمجتمع المدني وكذا عضو منتخب في المجلس البلدي لبلديّة قسنطينة ومحافظ ربيع المسرح القسنطيني، له خبرة فنّية تزيد عن 35 عاما أثمرت عن تمثيل أكثر من عشرين مسرحيّة وأكثر من خمسين عملا تلفزيونيّا وكذلك إخراج خمسة أعمال أخرى، كان أصغر ممثّل محترف سنة 1989، وله مسيرة حافلة في تسيير شركة السّمعي البصري (حكيم فيلم) و(لينا فيلم). كما حاز حكيم دكّار على عدّة جوائز محلّية ووطنيّة ودولّية. من أعماله:
- سيدي راشد.
- رمضانيّات.
- شارد دالة.
- أصحاب الرّابطة (سلسلة).
- كانت الحرب (فيلم ثوري) للمخرج أحمد راشدي.
- البورتري.
- مشوار عيسى سطوري.
- مسرحيّة "خيّاط كْراعُه".
أمّا أهمّ أعماله التي سيناقشها هذا الحوار هي:
- مسلسل "جُحا" بأجزائه في شخصيّة البطل جُحا، من إنتاج التّلفزيون الجزائري.
- ومسلسل "ظِلّ الحَكايا" في شخصيّة البطل "ابن المَغازِلي"، من إنتاج مشترك سوري جزائري وإخراج السّوري رشاد كوكش.
----------------------------------------------نُسيبة عطاء الله
كيف يستطيع "حكيم دكّار" تقسيم ذاتِهِ ما بين الشّخصية الإبداعيّة وشخصيّته الحقيقيّة؟ فأنا مثلا لمّا أباشر في كتابة رواية (أُجَنّ)، أرى شخصيّة حكايتي في المرآة، تكلّمني طوال الوقت، وأراها في المنام....
أجل الأمر كذلك، فأنتِ تكتبين، ولهذا تذوبين في الشّخصية. مرّة استضفنا هنا في أمسية من الأمسيات "واسيني الأعرج"، وحكى لنا عن تجربته في كتابة روايته عن "مي زيادة"، كيف ذهب في الشخّصية إلى درجة الذّوبان مثلك. إذن ما دمت أنا سأحكي عن الشّخصية فأنا سأتقمّصها في بعدها الاجتماعي، وفي بعدها النّفساني وأتعرّف عليها جيّدا من تكون (سنّها، ميولاتها، طبائعها، شكلها، مظهرها،...) إذا كانت خياليّة أو حقيقيّة... أنا أتعامل مع الشّخصية بهذا الشّكل، أمسك ورقة وأقسّم الأبعاد، البعد الاجتماعي (يضمّ كلّ ما هو خارجيّ من حالة مدنيّة وحالة شخصيّة، متزوّج، مطلّق، لديه أولاد، يعمل، طويل، عريض، ملامحه.. وكذا)، أمّا البعد النّفساني فيعبّر عن هذه الشّخصية من ناحية (هل هي انطوائيّة، محبوبة، منفصمة، ثقافته، قراءاته، دراسته،... الخ)، فلمّا أتحكّم في هذه التّفاصيل أدخل في جبّة هذه الشّخصية.
نعم، وأنت مثلا في جبّة "ابن المغازلي" بـ "ظلّ الحكايا"، منذ بدايتِكَ تمثيلَها، هل "حكيم" أصبح ابن المغازلي في الواقع؟
سأقول لكِ، أنا لمّا كانت لي أوّل مرّة شخصيّة "جُحا"، -وكما تعلمين جُحا شخصّية أسطوريّة والأمم تتخاطفها لتنسبها إليها-، فكيف يتمّ التّعامل مع معها؟
بالمفهوم الكلاسيكي المعترف به في كتب القصص والحكايات، هو أنّ "جُحا" شخصيّة فُكاهيّة ذكيّة فقط. أمّا أنا فأردتُ منحها شيئا آخر، فنحن مثلا قد أخذنا شخصيّة جُحا الذّكية ووضعناها في واقعنا الجزائري لكي نُعطيه انتماءً يتماشى مع الرّسالة المراد إيصالها. وبالنّسبة لي الفنّ رسالة والتزام.
فأخذنا شخصيّة "جُحا" الرّجل الملتزم، الفحل -(أي بالمعنى الجزائري ذو المروءة)_ ، الحكيم وصاحب الحيلة، الذي ينصر الفقير والمظلوم والضّعيف، ووضعناه ضدّ قوى الشّر المتمثّلين في التُّجار وأصحاب المال الطّغاة. فكان الصّراع محتدما في موقعين، جُحا لديه أصدقاؤه وجيرانه وزوجته وحماره، والآخرون لديهم المال والسّلطة والنّفوذ وأتباعهم. فدخلتُ في هذه الشّخصية، وكأداء لم أشأ أن أمنحه صبغة كاريكاتوريّة، كأن يتلعثمَ مثلًا في الكلام، لأنّ كلّ من يريد تجسيد شخصيّة جُحا يجعله شخصيّة طائشة أو هوجاء يحبّ أن يقفز مثلا وأن يتظاهر بالحمق، لكنّي أنا أحببت أن يكون جُحا شخصيّة حكيمة ورزينة رغم فكاهتها، ليكون الأداء واقعيّا، والواقعيّة هي أصعب شيء، أي ألّا تمثّل الدّور، بل أن تعيشَه.
أجل، خاصّة أنّ الأدوار التّاريخية تتطلّب أن تعيشَها في صبغتِها، وتعيدَها إلى الحياة بروح مجسّدة وليس مجرّد روح فحسب...
تعيشينها نعم ولكنّ الأمر متعب. كشخصيّة "ابن المغازلي" في "ظلّ الحَكايا". اشتغلت عليها مع صديقي المنتج المنفّذ وهو سوري، الذي اشتغلت معه على "جُحا" أيضا، فحتّى لمّا مثّلت جُحا في سوريا ثلاثين حلقة، في جُحا 2003، ولعبت الدّور مع (ناجي جبر، وفاء موصلي، والآخرين)، هم كتبوا السّيناريو ولكن أنا وضعتُ فيه الرّوح الجزائريّة بجُحا الجزائري (خاصّتنا)، فقمت بتكملة الشّخصية، مرّة أتحدّث بالدّارجة ومرّة بالفصحى، أعطيته جُحا ذاك ابن البلد، ولوّنته بصبغتي.
في المواقف التي حدثت أنّهم مرّة جاؤوني بصفحة كان فيها جُحا خادما وساقيا لمّا أتى "هولاكو"، فرأيت أنّ هذا شيء يمسّ بكرامته، فرفضت قائلا: "لا، لا يمكنني ذلك، لا تصِحّ بهذا الشّكل"، فجُحا يقبل بأن يمثّل على تلك الشّخصيات ويداهنهم ليجلب معلومات ويعيطها للفدائيّين والثّوار نعم، ولكن ليس بهذه الطّريقة. فغيّرت المشهد بما يتماشى مع شخصيّة جُحا.
فلمّا جاء "ابن المغازلي" بعث لي المنتج وقال لي أنّه سيرسل لي ثلاث حلقات لأقرأَها وأمدّه برأيي فيها، فكانت كلّ الشّخصيات تخييليّة إلّا شخصيّة "ابن المغازلي" التي كانت شخصيّة حقيقيّة تاريخيّة، ولكنّها كانت مطمورة في التّاريخ مثل كلّ الشّخصيات التي كانت لها نضالاتها مثل "أبي ذَرّ الغِفاري"، وكلّ الشّخصيات المقاوِمة في ذلك الوقت، شخصيّات ظُلمت ودُفنت وغُبِّرَت. و"ابن المغازلي" إنسان حكواتي صاحب (فَهْلَوَة) كما يقول المصريّون، يحفظ من الأحاديث النّبوية ومن القصائد ومن القصص، يقتبسها ويرويها، وفي ساحة بغداد نصب منصّة وكأنّه هو الذي بدأ معه المسرح في التّجربة المسرحيّة العربيّة بالعصر العبّاسي وعهد هارون الرّشيد، لمّا كانت الدّولة الإسلاميّة العبّاسية تتحكّم في مئة وسبع وسبعين دولة، وكانت الحضارة الإسلاميّة في أوجّ تطوّرها، فهذه الفتوحات، وهذه بغداد الخلافة تُنتج وتُصدّر الورق والكتب والعطور وفي تلك الفترة أهدوا ساعة لشارلمان إسبانيا.. قد كانت بغداد حضارة قائمة، ولكن كان هناك جانب آخر (جانب فقر وظلم واستغلال وكذا وكذا) فهذا "ابن المغازلي" يحكي إسقاطاته كلّها في حكاياته.
التي كانت بقعة الضّوء المسلّطة على الجانب المظلم من بغداد.
إذن، هكذا.. ولمّا تشاهدين المسلسل ستعرفين. فبعد ثلاثة أيّام اتّصل بي وسألني: إذا كان النّص قد أعجبك، أوصِلُك بالكاتب" الذي هو الدكتور عبد الحميد صابر من العراق خرّيج معهد بغداد ودكتور في المسرح.
هذا واضح، بالطّبع إنّ من سيصل إلى هذه الشّخصية ويكتب عنها سيكون متعمّقا في دراسة التّاريخ والفنّ معا.
فحكيت له عن الشّخصية من منظوري أنا، كيف رأيتُها ومثلما تصوّرتُها.
هل شبَّهتَها بِجُحا؟
نعم، شبَّهتُها لِجُحا، وأخبرته عن التزامها وجدّيتها وما إلى ذلك، وفي الأخير قال الدّكتور عبد الحميد للمنتج المنفّذ: "هذا هو الشّخصية".
عرفتَها، وتلبَّستَها، هل لأنّك عشتَها من قبل أم لأنّك أنت تحبّ ذلك النّمط من الشّخصيات؟
لأنّي عشتُها، ولأنّي إنسان لديّ التزامي ومواقفي المشابهة، وزادني جُحا الذي أعطاني منه وأضاف إلى شخصيّتي، فوجدتُ أنّ شخصيّة "ابن المغازلي" أيضا تشبهني. وهكذا شرعنا في التّصوير.
أثناء التّصوير، هل أثّرت شخصيّة ابن المغازلي على حياتك الواقعيّة اليوميّة؟
أثّرت، لأنّ شخصيّة ابن المغازلي فيها هدوء وفيها هيجان، أعطيتُها بعض الكوميديا أحيانا، ولكنّ الشّخصية في حدّ ذاتها غريبة وأنا نحوت إلى هذا الاتّجاه الازدواجيّ.
ما أودّ معرفته، وأنت تتحدّث إليّ الآن، لنفترض أنّك في صدد تمثيل شخصيّة تاريخيّة ولديك تصوير غدا، هل حكيم دكّار الجالس معي الآن -بناءً على هذا الافتراض-، هل هو يجلس معي بروح تلك الشّخصية أم بشخصيّته الحقيقيّة؟ هل تعيش معك خارج البلاطو؟ هل تأخذها معك للبيت؟
تؤثّر عليّ الشّخصية في مدّة التّصوير، أنت تقُصّين عن الكاميرا، والكاميرا تُطفأ، بمجرّد أن تُطفأ يحدث انقطاع للكلّ (المصوّر، المخرج، الموزّع، المكيّور، الأكسيسوار، الحارس...) إلّا الممثّلين، فيبقى داخلنا خيط رابط بيننا وبين الشّخصيات، ونأخذها معنا لبيوتنا. لا يصل الأمر لدرجة أنّي أتصرّف مثلها داخل البيت ولكن تظهر بعض ملامحها عليّ. فلا يمكنكِ ترك الشّخصية في الاستوديو تماما. وبالمناسبة حدث ما تقولينه مرّة لأحدهم، وكان قد لعب دور "سُلطان" ومن شدّة تركيزه الدّائم على الشّخصية، بقي لمدّة ثلاثة أشهر وهو يعيش الدّور في حياته الواقعيّة دون شعور منه، هذه حالة نادرة ولكنّها تحدث.
وكيف تستطيع أن تفصل؟
أنا لا أترك للشّخصية زمام التّحكم التّام بي، وأخرج منها بطُرُقي، كأن أخرج للشّارع وأتحدّث مع النّاس وأضحك وألقي النّكت، أنا أهرب من الشّخصية ولا أسمح لها بتتبّعي، تبقى منها فيّ بعض الملامح وتحضر لمّا أمسك النّص ليلا لقراءته.
هل تحفظ أم تقرأ فقط؟
أنا أحفظ، ولكن بشكل تصويريّ، أركّز في قراءة النّص لمرّتين أو ثلاث وينتهي الأمر.
هل إذا انزلقت منك الجملة، تسترجل بما يتوافق مع المعنى؟
لا أحبّذ ذلك، أنا ارتجالي يكون في الفعل والتّصرف، يمكن في كلمة أو تحويل لهجة، ولكن أن آتي بجملة بدل جملة هذا أراه تعدِّيا على الكاتب، لأنّه يَتعب ويشقى في صياغة الحوار والجمل، ولكنّ دوري هو أن أعرف كيف أتعامل مع تلك الجمل، ولن أقول لكِ بصفتك كاتبة نصّ السّيناريو بأنّ جملتك طويلة أو لم أستسغها غيّريها لي أو لم أقدر على حفظها، لن أفعل هذا، يمكن ألّا نتّفق على الصّياغة، وأقترح صياغة مختلفة، ولكنّي لا أتّجه مثل بعض الممثّلين إلى الحذف وإعادة الكتابة كما يحلو لي، خاصّة في النّص التّاريخي. فالتّاريخ ليس سردا فقط، بل هو صور، والكاتب يجب أن يكتب بالصّورة، وللأسف عندنا يتّجهون للسّرد وبلغة تُكتَبْ، وليس بلُغة تُسمَع وتُرى.
هذا بالنّسبة للشّخصية الإبداعيّة التي يمثّلها حكيم دكّار، ولكن بالنّسبة للشّخصية عموما، شخصيّة الممثّل الذي بداخل حكيم دكّار، كيف تتعايشان؟
يوميّا يعيش معي، بالمزاح، بالرّفض، بالتّقبل...
من الذي يلقي النّكت، أنت أم هو؟
كِلانا معا، أنا هكذا منذ وعيت ولكن زادني هو.
ماذا علّمك؟
علّمني أشياء كثيرة، إضافة إلى هذا أنا إنسان قارئ، وكلّ ما أقرأه أتشرّبه (اقتصاد، رياضة، أدب، جرائد...)، لديّ رصيد هو الذي أمشي به في الشّارع، وأسير به في واقعي وذلك الرّصيد أُثقِّفُ به الممثّل.
لكن ما دام حكيم الممثّل يمشي معك بالموازاة، هل يؤثّر على حياتك الشّخصية؟ من الذي يتّخذ القرارات الكبيرة؟
لا يؤثّر على حياتي الشّخصية، هو لا يؤثّر لأنّه يشبهني، أمّا القرارات فحكيم هو من يأخدها.
تصفيق، حوار رائع.
ما رأيكِ في إجاباتي؟
إجابات كاتب. (وضحكنا) كأنّي أكلّم أمين الزّاوي مثلا.
هكذا كبّرتِني كثيرا.
لا أنا لم أُكَبّرك، بل أنت كبير، وقصدي بأنّك تتحدّث ككاتب، لأنّ لك تشعّبا في الفكرة دون أن تضيع منك.
لقد سافرتُ هنا في الواقع، وسافرتُ في الخيال، وسفريّاتي في الخيال هي مع الكتب وشخوصها.
هل تتخيّل نفسك تمثّلها وأنت تقرأ؟
أكيد، بجميع التّفاصيل، كلّ قصّة أقرأها أتخيّلها وأراني فيها مع الكاميرا.
هل إذا أعجبت بشخصيّة معيّنة، تنهض من مكانك وتمثّلها؟ في البيت مثلا؟
زمان، ولكن يمكنني بيني وبين نفسي أن أعيشها، ولكن هناك شخصيّات أحببت أن أشتغلها ولم أشتغلها.
مثلا؟
التّاريخية بالأخصّ، الواقعيّة منها والأسطوريّة، أنا مهووس بالتّاريخ.
نعم، يليق بك، وفيك تلك الرّوح التي يمكنها التّناغم مع مختلف العصور.
كأنّني قادم من التّاريخ. لهذا الحدّ.
حكيم دكّار، العابر للزّمن.
تسحرني شخصيّة "دونكيشوت دي لامانشا"، وفكّرت في عملها. تستهويني شخصيّة "أحدب نوتردام كوازيمودو".
هل يمكنك استلاف هذه الشّخصيات في روح جزائريّة فكاهيّة كما فعلت مع جُحا؟
كثيرون لم يعرفوني جيّدا خارج المسرح إلّا مؤخّرا، مثل الصّديق "كريم بودشيش/ممثّل ومخرج جزائري" الذي لديه معي ثلاثين سنة ولكنّه لم يتخيّل أبدا أن يراني في دور دراميّ، فدُهش لمّا رآني داخل الدّراما.
هل تعتقد بأنّ المشكلة في الممثّل أم في كاتب النّص؟
في كليهما، الممثّل يعطينا عجينا والمخرج هو الذي يشكّله، والنّص لمّا تكون فكرته جيّدة ومكتوبة بصور يستطيع الممثّل الانغماس فيها، ينجح العمل، وإذا كان الكاتب لم يصل إلى درجة أن يمدّ الصّورة للمثّل فلن يتمكّن الممثّل من الوصول إلى عمق العمل. لأنّ السّرد لا يمكنه أن يمنحكِ أداءً، فأنا لكي أعطيكِ تمثيلا مُقنعا يجب أن تكون الصّورة قويّة وحيّة.
هل جسّدت من قبل شخصيّة ثوريّة؟
أجل، جرّبت، شخصيّة سرديّة، أمّا الحقيقيّة فلا. ولكنّي أدّيت مَلاحِمَ وشاركت في فيلم ثوريّ في بداياتي، كواحد من المجاهدين ولكن لم أؤدِّ شخصيّة بعينِها.
الشّخصيات السّيرية عموما تحتاج إلى الوقت.
في تجسيد شخصيّة سيرة ذاتية، ماذا يفعل حكيم دكّار؟
أُحضّر الشّخصية، ألازمها، أستدعيها بجميع تفاصيلها، أتتبّع أماكنها طبعا، فإذا لم أمش في الأماكن التي ذهبت إليها تلك الشّخصية، ولم أرَ أين نامت وأين ذهبت وماذا فعلت، فلن أتمكّن من أن أكون واقعيّا.
ألا يقنعك السّماع عن الشّخصية؟
كإضافة فقط، ولكن ليس في كُلِّ الحكاية.
في أوّل مسرحيّة محترفة لي مع "بوقرموح" رحمه الله ببجاية أيّام التّسعينات، كنت أصغر ممثّل محترف في الجزائر كلّها، وكان قد أعطاني شخصيّة أكبر منّي لشخص إسلامويّ يعمل موظّفا، فماذا فعلت؟
بحثت، فرأيت هناك شخصا يرتدي قميصا، وفوقه سترة كلاسيكيّة وعراقيّة حمراء على كتفيه ذاهب لصلاة الجمعة، فقمت بتتبّعه لشهر ونصف، أطلّ عليه من النّافذة، أدخل معه المسجد، وأمشي خلفه إلى كلّ مكان يذهب إليه. وبعد أن كنتُ آخر شخص التحق بالفرقة، غدوت في ظرف شهر أوّل شخص أنهى عمله على الشّخصية كممثّل.
وأنت تلاحق الشّخصية أغلب الوقت كامل اليوم، كيف تتملّص منها في أوقاتك الخاصّة؟
أخرج، أخرج، مرّة مع صديقي المخرج العراقي "فارس الماشطة"، -وكان من الأوائل الذين اكتشفونا أنا و"كريم بودشيش" واشتغلنا معه على العديد من الأعمال - كانت لدينا مسرحيّة الحلّاج هنا في مسرح قسنطينة وهو المخرج، كنت معه في الكواليس نتحدّث ونضحك، ولمّا جاء دوري ودخلت الرّكح، انبهر، لم يصدّق كيف تحوّلت فجأة إلى شخص مختلف تماما، أدّيت الدّور ولمّا عدت إليه قال لي: "يا الله، سبحان الله يعني هذاك أنت؟"
شخصيّة استطراديّة. من تتمنّى أن تمثّل الآن؟
بدأت في كتابة تصوّر عن "كازيمودو"، وأعطيتها بعض اللّمحات. أريد أن يكون العمل دراميّا ولكن ليس نوتردام، بل شخصّية كازيمودو تحديدا لأنّي أحبّ الشّخصيات المركّبة داخليّا وخارجيّا التي تمنحني البحث والعمل، وليس البسيطة في دور عاشق ولهان وهو الذي قوم بدور البطولة مع خطيبته... الخ
فأعطيها بصمتي. أنا أهوى أن أعيش الشّخصية.
إذن يغنيك الأداء التّمثيلي عن الحوار؟ حتّى لو كانت الشّخصية صامتة؟
يغنيني عن كلّ شيء، الأهمّ أنّ التّحدي داخليّ، فَهْمُ القصّة والتّماهي مع باطن الشّخصية. مرّة في
" جُحا" نسخة 2003، وكان وقتها الهجوم الأمريكي على العراق، كنت أنا والمخرج السّوري "عبد الغني بلّاط" نصوّر العمل في دمشق، وقمت بإضافة مشاهد، حيث جحا جاء من التّاريخ عن طريق عاصفة فوجد نفسه في دمشق سنة 2003 والسّيارات والتّكنولوجيا وكذا... ثمّ أخذه "أبو عنتر" إلى بيته ليعيش عنده وهناك اكتشف التّلفزيون. أصل الحكاية أنّنا كنّا نحتاج شخصا يأتي من التّاريخ ليحلّ لنا مشاكلنا. وجحا يعرف عراقا أخرى؛ أخذ يقلّب الصّندوق الذي أمامه ويسأل عن هذه الحرب القائمة بداخله، فتجيبه الشّخصية التي معه بأنّ هذه أمريكا، فسألها جحا عن الذي تفعله أمريكا هذه، فتجيبه أنّ "أمريكا دخلت بغداد". أصابتني هستيريا، كيف؟ بغداد عاد إليها هولاكو؟ أنزِل الدّرج وأعود، وعشت في جُحا الحالة نفسَها التي عشتُها عند سقوط بغداد في تلك السّنة بصفتي عربيّا تعرّض لهذه الظّروف وأحسّ بالألم. عندما انتهيت. قال لي المخرج: "أنت ممثّل راوٍ فظيع"، رغم أنّ جُحا عمل كوميدي كنظرة كلاسيكيّة إلّا أنّه يتضمّن مشاهد دراميّة حزينة، وأنا أغيب في أدائها (الغياب بمعنى الحضور والانصهار).
وأنا منذ طفولتي وأنا أشاهد جحا، لم أكن أرى فيه شخصيّة مضحكة بقدر ما كانت تجعلني أتأمّل في واقعيّتها ومسحتها المأساويّة، بصفتي عشت في مدينة زراعيّة محاطة بالأرياف ومعسكر معروفة بالفكاهة النّابعة من طيبة وعفويّة أهلها خاصّة الفلّاحين، الذين يمزجون بين الحكمة والذّكاء والطّيبة التي تبدو للغرباء سذاجة وفي الوقت نفسه الحزن وقسوة الظّروف والحياة التي لها خلفيّة تراكمات تاريخيّة أدّت إلى تكوين نفسيّ عميق لهؤلاء الأشخاص طُبعت في دواخلهم وملامحهم مثل جُحا تماما، ولهذا أحببت هذه الشّخصية التي هي حقّا قادمة من التّاريخ ولكنّها موجودة في بيئات مختلفة خاصّة العربيّة وشعرت بنوع من الامتنان لها لأنّها تشبهنا، وليس مثل باقي الأعمال الفنّية التي تقدّم شخصيّات إمّا عصريّة تماما، أو تاريخيّة بحتة أيضا. لكن جُحا كان تاريخا معاصرا منذ نظرتي له الأولى، ولهذا أنا اخترت البقاء في المسرح عوض الفندق لأكتشف هذه الشّخصية عن قرب. هل تعرف أنّني أضحك بشدّة في الجنائز وتأتيني حالة نكت غريبة كأنّي ملبوسة؟
أنا أيضا مثلك، أحبّ أن أمنح تلك الفرحة لنسيان الحزن قليلا. منذ عشرة أيّام تمّت دعوتي إلى مئويّة "محمّد ديب" بقصر الثّقافة 15/ 10/ 2020 ، وطلبوا منّي مع الجماعة هنا في قسنطينة أن نشارك في الاحتفاليّة، رغم أنّي منذ سنوات بعيد عن المسرح.
لماذا؟
أخذني التّلفزيون، وأمور شخصيّة وغيرها من الظّروف. فلعبت دور شخصيّة بمسرحيّة "ألف تحيّة لعرفيّة" لمحمّد ديب، وكان قد سبق أن اشتغلت هذه المسرحيّة مع بن قطّاف رحمه الله، وعقّومي، ودليلة حليلو عام 1993، فأنا أعرف القصّة. أعطوني مشهدا وكان التّركيب شعريّا مسرحيّا جيّدا جدّا وكان هذا بالنّسبة لي وحتّى بالنّسبة للحضور أفضل شيء. الذي حدث أنّهم رأوا "حكيم" على غير ما عهدوه في أداء دراميّ وليس كوميديّ، وأنا أحبّ لمّا أقوم بدور أن أقنع المشاهد، ودون أن أرمش. فرغم أنّ كثيرين يضعونني في خانة الكوميديا، إلّا أنّي أحبّ أن أكون ممثّلا شاملا يجمع بين الكوميديا والتّراجيديا، وحتّى كوميديّتي أحبّها أن تكون سوداء.
فعلا، يليق بك هذا النّمط.
وعلى فكرة الممثّل الكوميديّ يعيش بداخله دراما تمكّنه من أن يتّجه للدّراما، لن أقول بسهولة، ولكن بشكل احترافيّ، عكس الممثّل الدّرامي الذي يلقى صعوبات لكي ينتقل إلى الكوميديا، لأنّ الكوميديا أدواتها كثيرة.
هل ترى بأنّ المسرح الجزائريّ يجب أن يُجمع ويُطبع، ألا ترى بأنّه يضيع هكذا لمجرّد انتهاء العرض ونزول الممثّلين عن الخشبة؟
هو يضيع منذ سنوات، ومنذ سنوات ونحن نتكلّم في هذه المسألة ونقول بضرورة التّوثيق البصريّ والكتابيّ. لأنّ فترات طويلة مرّت من تاريخ المسرح الجزائريّ لم تُسجّل.
تلك المسرحيّات التي أدّيتموها في سنوات التّسعينات، هل يمكنها أن تعود الآن إلى الخشبة؟
كلّ مسرحية ناجحة، إذا تمّ إعادة عرضها فسيكون هذا تكريما لأولئك الأشخاص الذين قاموا بها أو شاركوا فيها وغادروا الحياة، وأيضا إعادة أحياء للنّص، ولكن أنا كمخرج لديّ رؤية أخرى، "ماكبث" اشتغلَها آلاف الأشخاص ولكن كلّ واحد من هؤلاء أعطاها شيئا ما مغايراـ
تحضرني الآن حكاية رواها لي الأستاذ "فارس الماشطة" إذ كان ضيف دائرة النّقاد للمسرح في بريطانيا وكان مع مجموعة من المخرجين والنّقاد من جميع أنحاء العالم وذهبوا لمشاهدة مسرحيّة "ماكبث" لفرقة هنديّة، وقد أدّوها بطقوسهم وأغانيهم وهوّيتهم، فصديقي المخرج فارس لم يعجبه العرض. بعدها جلسوا على العشاء، وكان عشاءً نقديّا، فسألوه عن رأيه، وأجابهم بأنّه لم يعجب بالعرض. لمّا استفسروا عن السّبب أخبرهم بأنّه يرى أنّهم أفسدوا مسرحيّة ماكبث وأساؤوا إلى "شكسبير" بتلك الرّقصات وما إلى ذلك، لأنّه هو كان يرى دائما "ماكبث" بنظرة شكسبيريّة وبروح النّص الأصلي، فردّ عليه رئيس النّقاد بالاعتراض لأنّه من منظوره ليس محتاجا لأن يعطوه "ماكبث" بحُلّتِها الإنجليزيّة، "أنا محتاج لأشاهد ماكبث الهندي، وماكبث العراقي، وماكبث الفرنسي، وماكبث في مالي...". فرؤيتكِ أنتِ ينبغي أن تكون رؤية خاصّة بالمكان الذي تعيشين فيه. كما لمّا حدّثتُكِ عن "أحدب نوتردام" عندما أريد أن أؤدّيه سأفعل ذلك برؤيتي أنا "كيف أنظر إلى كازيمودو"، القصّة أعجبتني من حيث إنسانيّتها، ولكنّ تصوّري الإخراجيّ مغاير لـِما أعرفه ولما قرأته وهذا من حقّي ومن حقّ أيّ شخص يريد تأدية عمل إبداعيّ، بأن يمنحه صبغة فريدة وتصوّرا خاصّا.
هل تراها رؤية راهنة أو طارئة، أم تحبّها خالدة؟
النّصوص الخالدة معروفة وأنا أفضّلها بــ "رؤية"، لكنّي أحيانا أذهب إلى الرّاهنة من دون أن أعمل على المسرح الظّرفي، ويمكن أن أفعل هذا مع بعض المواضيع التي أشتهي أن أعيشها في لحظتِها وأرتقي معها فقط.
هل لديك تصوّر مسرحي لأعمال إبداعيّة جزائريّة (نصوص روائيّة أو قصصيّة)؟
في السّابق، قبل سيطرة التّكنولوجيا، قرأت كثيرا لـ "الطّاهر وطّار" و "عبد الحميد بن هدّوقة"، "واسيني الأعرج" وغيرهم... وكنتُ راغبا في فترة ما بمسرحيّات منها، وأتصوّر في ذهني كيف يمكن أن تكون، خاصّة أعمال بن هدّوقة التي كنت عاشقا لها كـــ "الجازية والدّراويش"، وفيما بعد أنتجها مسرح "سكيكدة"، "ريح الجنوب"، "اللّاز" مثلا للطّاهر وطّار. كان هناك مشروع ولكن للأسف لم يتمّ لظروف لا أعرفها، حول رواية "نهاية الأمس" لعبد الحميد بن هدوقة، وكانت ستُحوّل إلى فيلم للمخرج المصري الكبير "صلاح أبو سيف" الذي كان مرشّحا لإخراجها. هناك الكثير من الكتّاب الذين كانوا في وقت ما بعيدين عن الممارسة المسرحيّة، ويكتبون بطريقة لا يمكن مسرحتُها، وهذا ما ظلّ لفترة طويلة يقف عائقا بين الرّوايات والقصص الجزائريّة. أمّا الكاتب الذي له صلة بالمسرح ويحتكّ بالمسرحيّين أعماله تكون قريبة إلى الإنتاج المسرحّي، وأنا أرى الآن أنّ تطوّر أشكال الكتابة والسّرد ساهم في ظهور حركة أدبيّة بالمسرح.
أنت يا حكيم ممثّل قارئ ولكن ليس جميع الممثّلين قارئين، وأنت ترى أنّ ثمّة بعدا بين الكاتب والمسرح لكن أيضا المسرحيّ بعيد الكتّاب.
أكيد، ولكن أظنّ أنّ الآن مع جيل الشّباب هذا الذي معظمه من خرّيجي جامعات، فأعتقد أنّهم يقرؤون ولو قليلا وهذا ما آمُل أن يكون، لكي يقدروا على فهم ما هم بصدد تقديمة. فمثلا لو تمّ اقتباس مسرحيّة من أعمال "واسيني الأعرج" ووُزّعت الأدوار على الممثّلين، أنا بصفتي ممثّلا إذا لم أبحث عن واسيني الأعرج وكتاباته وإذا لم أعرف الفرق بين كتبه ولم أتعرّف إلى أسلوبه ولم أنغمس فيه، كيف يمكن لأدائي أن يكون صحيحا وواقعيّا أمام الجمهور؟
أتُحبّذ مثلي أن يكون معرض الكتاب ليس منصّة خاصّة بالكتّاب فقط، بل أن يكون فضاءً يجمع الأدب بالسّينما والمسرح، وأيضا في الأيّام المسرحيّة يكون الأديب حاضرا والشّاعر حاضرا والقارئ والمشاهد كذلك؟
هذا رجاؤنا، وهذا ما هو واجب، ولكنّ كثيرين لا يرونه ضروريّا. هناك بعض المخرجين السّينمائيين الذين يحبّون حضور أيّام المسرح المحترف من باب الحفاظ على أصال






















