+
أأ
-

الدعم العسكري الصيني لإيران تبادل مصالح ام توازن قوى ؟

{title}
بلكي الإخباري

 

 العلاقات بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية الإسلامية الإيرانية شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية المتنامية، والجيوسياسية، والاستراتيجية التي تشكل تحديًا للمشهد الدولي القائم مع أحادي القطب السائد حاليا . وفي هذا السياق، يبرز الدعم العسكري الصيني لإيران كأحد أكثر الجوانب حساسية وتأثيراً في هذه الشراكة الثنائية. لأن هذا الدعم ليس مجرد تبادل عادي للأسلحة، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز نفوذ بكين في الشرق الأوسط ومقاومة الهيمنة الأمريكية المتنامية مؤخرا ، مع ضمان استقرار مصادر الطاقة الحيوية لإيران. 

وتنبع الدوافع الصينية لتقديم الدعم العسكري لإيران من مصالح متعددة ومترابطة. 

أولها تأتي الحاجة الملحة للطاقة.  فإيران تعد واحدة من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، والصين أكبر مستورد للنفط الإيراني. وضمان استمرار تدفق هذه الموارد، لا سيما في ظل الضغوطات الغربية التي تحاول خنق الاقتصاد الإيراني، يمثل أولوية قصوى لبكين للحفاظ على نموها الاقتصادي واستقرارها الداخلي. الدعم العسكري هنا هو ضمانة لحماية المصالح الاقتصادية الصينية في المنطقة، وتثبيت النظام الذي يضمن وصول الإمدادات.

ثانيًا، تلعب الجغرافيا السياسية دورًا محوريًا. بحيث تسعى الصين إلى تعزيز ما يُعرف بـالاستراتيجية الملتوية ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، مثل إسرائيل والسعودية. 

فإيران بفضل موقعها الاستراتيجي في قلب الشرق الأوسط وقدرتها على إعاقة حركة الملاحة في مضيق هرمز، تمثل شريكًا طبيعيًا في استراتيجية التوازن هذه. لان الدعم العسكري يساهم في تعزيز قدرة طهران على الردع الذاتي، مما يقلل من احتمالية التدخل العسكري الخارجي الذي قد يعطل مصالح بكين. إن الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة الموقعة بين البلدين في عام 2021، والتي تشمل جوانب أمنية وعسكرية، تعكس التزامًا طويل الأمد بتنسيق الجهود الجيوسياسية.

أما عن أشكال الدعم العسكري الصيني، فهي تتراوح بين المساعدة التقنية المباشرة والتعاون غير المباشر في تطوير القدرات الدفاعية. على مدى التاريخ  كان الدعم الصيني يتركز حول تزويد إيران بالصواريخ الباليستية وتقنيات الدفاع الجوي. على الرغم من القيود التي فرضتها قرارات الأمم المتحدة سابقاً، استمر تدفق المعرفة والتقنيات، خاصة في مجالات مثل تكنولوجيا الصواريخ البالستية مثل صواريخ فتاح ونسخ معدلة من أنظمة دفاع جوي متقدمة. وتشير التقارير الاستخباراتية الغربية إلى أن الصين زودت إيران أيضا  بخبرات متقدمة في مجال أنظمة التوجيه والتحكم لتطوير صواريخها متوسطة المدى، مما يرفع من دقة وقدرة الردع الإيرانية.

علاوة على ذلك، يتجلى الدعم في مجال التعاون البحري والتدريبات المشتركة، فقد شاركت الصين وإيران، وأحياناً روسيا، في مناورات بحرية واسعة النطاق في خليج عمان وبحر العرب، مثل مناورات أمن البحر ، فهذه التدريبات لا تخدم فقط تبادل الخبرات التكتيكية، بل هي رسالة واضحة للعالم بوجود تحالف أمني ناشئ يهدف إلى تأمين خطوط الملاحة بعيداً عن النفوذ البحري الأمريكي. كما يشمل التعاون نقل المعرفة في مجال الأمن السيبراني والتجسس، وهي مجالات حيوية للحفاظ على استقرار الأنظمة العسكرية في طهران.

ومع ذلك، يواجه هذا الدعم تحديات كبيرة ويخلق توترات دولية، فالتحدي الأكبر هو التزام الصين، وإن كان نسبيًا، بالامتثال للعقوبات الدولية أو على الأقل عدم الظهور بمظهر المنتهك الصارخ لها. لذا، غالباً ما يكون الدعم غير مباشر أو يتم عبر شركات تابعة أو من خلال عمليات بيع سرية لتجنب العقوبات الثانوية الأمريكية التي قد تضر بقطاعاتها المصرفية والتكنولوجية الكبيرة. ويمثل هذا التوازن الدقيق بين المصالح الاستراتيجية والقيود الاقتصادية تحدياً مستمراً لصناع القرار في بكين.

أما التداعيات الإقليمية، فهي عميقة ومقلقة لحلفاء واشنطن في المنطقة. لأن تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية عبر التكنولوجيا الصينية يهدد بتصعيد التوازن العسكري الإقليمي، مما يزيد من سباق التسلح بين إيران والقوى المناهضة لها، كون هذا الدعم يعزز من قدرة إيران على دعم وكلائها في المنطقة، مما يفاقم الصراعات بالوكالة في عدة دول لإيران حضور فيها . ويُنظر إلى هذا التعاون على أنه مساهمة في تشكيل محور مقاومة مدعوم تكنولوجياً من الصين.

وعلى المستوى الدولي، يمثل الدعم العسكري الصيني لإيران تحديًا صارخًا للنظام الدولي القائم على القواعد والذي تقوده الولايات المتحدة. فهذا التقارب يضع الصين في مواجهة مباشرة مع واشنطن بشأن قضايا الأمن الإقليمي والحد من التسلح النووي.  واستمرار بكين في مساعدة طهران على تطوير قدراتها الدفاعية يضعف الجهود الغربية الرامية إلى احتواء النفوذ الإيراني، ويدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي.

في الختام، يمكن القول إن الدعم العسكري الصيني لإيران هو استثمار استراتيجي طويل الأمد في علاقة تهدف إلى تأمين احتياجات الصين من الطاقة، وتوسيع نفوذها الجيوسياسي، وتحدي النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. هذا الدعم، الذي يتخذ أشكالًا متعددة تتراوح بين نقل التكنولوجيا المتقدمة والتدريبات العسكرية، يمثل عاملاً مزعزعًا للاستقرار الإقليمي ويزيد من تعقيدات الساحة الدولية. طالما بقيت المصالح الاقتصادية المشتركة والاستراتيجية المتعارضة مع الغرب قائمة، من المرجح أن يستمر هذا التعاون العسكري، رغم المحاولات الدبلوماسية الغربية لكبحه. لذلك فإن مراقبة تطور هذه الشراكة تبقى ضرورية لفهم مستقبل الأمن في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية الأوسع.