د. صالح سليم الحموري : أشهر قبل العاصفة

حين يصبح الذكاء الاصطناعي تهديدًا للأمن العالمي، فإن الحديث عنه لا يمكن أن يبقى محصورًا في فرصه الاقتصادية ومكاسبه الإنتاجية فقط. فخلال السنوات الماضية، نظرنا إليه باعتباره "ثورة تقنية" قادرة على مساعدة الحكومات والشركات والأفراد على العمل بصورة أسرع وأكثر كفاءة، وما زلتُ، وأنا من المتحمسين لهذه التكنولوجيا، أؤمن بقدرتها على إحداث تحولات إيجابية غير مسبوقة في الاقتصاد والحكومة والمجتمع. لكن حجم هذه الفرص لا يعفينا من طرح السؤال الأصعب: ماذا لو تطورت قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من قدرتنا على تأمينها وحوكمتها والسيطرة عليها؟
لكن سؤالًا آخر بدأ يفرض نفسه بقوة: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل بنا إذا تطورت قدراته أسرع من قدرتنا على تأمينه والسيطرة عليه؟
في 27 أغسطس 2026، وقّعت 116 شركة ومؤسسة، من بينها OpenAI وAnthropic وGoogle وMicrosoft، رسالة تحذر من أن العالم أمام نافذة زمنية محدودة لتعزيز دفاعاته السيبرانية، قبل أن تصبح الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر سرعة وتعقيدًا وخطورة.
وهذه التحذيرات ليست نظرية. فقد أشار تقرير CrowdStrike العالمي للتهديدات لعام 2026 إلى ارتفاع نشاط الخصوم الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بنسبة 89% خلال عام واحد، في الوقت الذي أصبحت فيه الهجمات والتحركات داخل الأنظمة أسرع بصورة كبيرة.
وقد كتبت سابقًا أكثر من مرة عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلا أن ما يستحق التوقف عنده اليوم هو انتقال الخطر من الاحتمالات المستقبلية إلى البنية التحتية التي تقوم عليها حياة المجتمعات.
ففي يوليو 2026، رصدت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية CISA نشاطًا خبيثًا استهدف أكثر من 100 نظام متصل بالإنترنت في قطاع المياه والصرف الصحي، من بينها أنظمة تحكم صناعية مرتبطة بتشغيل منشآت فعلية.
وفي الهند، ظهرت على الإنترنت قرابة 19 ألف وثيقة مرتبطة بمشروع محطة كودانكولام النووية بعد اختراق بيانات أحد المقاولين العاملين في المشروع، مع تأكيد السلطات أن أنظمة السلامة والأمن النووي الحساسة لم تتأثر. وفي رومانيا، تسبب هجوم إلكتروني في تعطيل أنظمة السجل العقاري وعرقلة المعاملات على مستوى البلاد.
لكن القضية تتجاوز الأمن السيبراني، فقد استقال الباحث جاكوب كوكسون Jacob Coxon من شركة Anthropic في سبتمبر 2026، بعد سنوات من العمل في OpenAI وAnthropic، محذرًا من أن السباق نحو أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا، وقادرة مستقبلًا على تحسين قدراتها، قد يحمل مخاطر كارثية إذا لم تتطور آليات الحوكمة والسلامة بالسرعة نفسها.
كما قدّر إيفان هوبينغر Evan Hubinger، أحد أبرز الباحثين في مواءمة الذكاء الاصطناعي في Anthropic، شخصيًا أن احتمال وصول المخاطر إلى مستوى كارثي على البشرية ليس احتمالًا يمكن تجاهله. وهذه تقديرات وليست حقائق علمية محسومة، لكنها تستحق الانتباه عندما تصدر من أشخاص يعملون في قلب تطوير هذه الأنظمة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فالخطر ليس أن "يستيقظ "ChatGPT غدًا ويقرر محاربة الإنسان، بل أن تنتقل الأنظمة من "مساعدة الإنسان" في تنفيذ المهام والهجمات إلى القدرة على اكتشاف الثغرات والتخطيط والتنفيذ والتعلم والتحسين بسرعة تفوق قدرة البشر على الاستجابة.
وعندما ترتبط هذه القدرات بالكهرباء والمياه والاتصالات والمستشفيات والأسواق المالية ومراكز البيانات والمنظومات الدفاعية، فإن الأمن السيبراني لم يعد مسؤولية إدارة تقنية المعلومات فقط؛ بل أصبح أمنًا، وطنيًا، واقتصاديًا، وإنسانيًا.
لا أعتقد أن الحل هو إيقاف الذكاء الاصطناعي، ولا أعتقد أن ذلك ممكن أو مطلوب. فوائده للبشرية هائلة. لكن الخطأ هو أن نخوض السباق بمنطق: من يصل أولًا يفوز.
السؤال الأهم اليوم هو:
هل نستطيع تطوير الذكاء الاصطناعي بالسرعة نفسها التي نستطيع بها تأمينه وحوكمته وضمان بقاء الإنسان مسيطرًا عليه؟
فالسباق بدأ بالفعل، والتحدي الحقيقي ألا تسبق قوة الذكاء الاصطناعي قدرتنا على السيطرة عليه

















